كان يا مكان
فلاح ميسور يعيش في حقله مع زوجته واولاده الخمسة. وذات موسم انحبس المطر فحزن الفلاح
وكان قد بذر الحب، فتوجه الى حقله العطشان، ناظرا الى الغيم، منشدا‏ تعال يا مطر تعال‏
كي تكبر البذور‏
ونقطف الغلال‏
تعال لتضحك الحقول‏


وننشد الموال‏
مضت الغيوم.. غير ابهة بنداء الفلاح، فزاد حزنه، واعتكف في بيته مهموما حزينا



اقتربت منه زوجته مواسية‏
صل على النبي يا رجل هون عليك مالك تصنع من الحبة قبة
دعيني يا ام العيال الله يرضى عليك ولا تزيدي همي
طيب الى متى ستبقى جالسا هكذا تسند الحيطان قم اخرج اسع في مناكبها
اسعى الا ترين ان الارض قد تشققت لكثرة العطش والحب الذي بذرته اكلته العصافير
دعيني بالله عليك فانا لم اعد احتمل لكنك اذا بقيت جالسا فسنموت
جوعا لم يبق لدينا حفنة طحين قم واقصد الكريم، فبلاد الله واسعة
اقتنع الرجل بكلام زوجته فحمل زاده وودع اهله ثم مضى
كانت هذه الرحلة هي الاولى له لذا كابد مشقات واهوالا فاحيانا يظهر له وحش
فيهجم عليه بعصاه الغليظة ويطرحه ارضا واحيانا يعترضه جبل عال فيصعده وهكذا
الى ان وصل الى قصر فخم تحيط به الاشجار وتعرش على جدرانه الورود
وما ان اقترب الفلاح من باب القصر، حتى صاح به الحارس
هيه انت، الى اين‏
اريد ان اجتمع بصاحب القصر
ماذا تريد ان تجتمع بالسلطان
وسمع السلطان الجالس على الشرفة حوارهما، فاشار للحارس ان يدخل الرجل وفور مثوله امامه قال:‏
السلام على جناب السلطان
وعليك السلام ماذا تريد‏
اريد ان اعمل‏
وما هي مهنتك



فلاح افهم بالزراعة ثم سرد له قصته
-ايه.. طيب، اسمع ما ساقوله، اما العمل بالزراعة فهذا مالا احتاجه، عندي مزارعون
لكن اذا رغبت في تكسير الصخور فلا مانع الارض مليئة بالصخور وانا افكر باقتلاعها والاستفادة من مكانها
موافق‏
اذا اتفقنا على الامر الاول بقي الامر الثاني
ما هو
الاجر انا ادفع للعامل دينارا ذهبيا كل اسبوع فهل يوافقك هذا المبلغ
حك الفلاح راسه مفكرا قال
عندي اقتراح ما رايك ان تزن لي هذا المنديل في نهاية الاسبوع وتعطيني وزنه ذهبا
واخرج الفلاح من جيبه منديلا صغيرا مطرزا بخيوط خضراء.‏
وفور مشاهدة السلطان المنديل شرع يضحك حتى كاد ينقلب من فوق كرسيه الوثير ثم قال
من.. منديل يا لك من رجل ابله وكم سيبلغ وزن هذه الخرقة اكيد ان وزنها لن يتجاوز وزن قرش من الفضة ها ها ها احمق موكد انك احمق
بلع الفلاح ريقه وقال
يا سيدي ما دام الربح سيكون في صالحك فلا تمانع انا موافق حتى لو كان وزنه وزن نصف قرش‏
لمس السلطان جدية كلام الفلاح فاستوى في جلسته وقال
توكلنا على الله، هاك المطرقة وتلك الصخور شمر عن زنديك وابدا العمل وبعد اسبوع لكل حادث حديث‏
امسك الفلاح الفاس بزندين فولاذيين مشى باتجاه الصخور بخطا واثقة نظر اليها نظرة المتحدي
ثم وببسالة الباشق هوى عليها بمطرقته فتفتت تحت تاثير ضرباته العنيفة
متحولة الى حجارة صغيرة وكلما نز من جبينه عرق الجهد والتعب اخرج منديله الصغير ومسحه.‏
عمل الفلاح بجد وتفان، حتى انه في تمام الاسبوع اتى على اخر صخرة، صحيح ان العرق تصبب من جبينه كحبات المطر، لكن ذلك لم يمنعه من المثابرة والعمل.‏




انقضى اسبوع العمل، وحان موعد الحساب.‏
عافاك الله ايها الفلاح لقد عملت باخلاص، هات منديلك كي ازنه لك
ناوله الفلاح منديله الرطب وضعه في كفة ووضع قرشا فضيا في الكفة الاخرى
فرجحت كفة المنديل امسك السلطان عدة قروش واضافها، فبقيت كفة المنديل راجحة‏
امتعض ازاح القروش الفضية ووضع دينارا ذهبيا فبقيت النتيجة كما هي
احتار طلب من الحاجب منديلا غمسه في الماء ووضعه مكان منديل الفلاح فرجحت‏
كفة الدينار‏
زفر نظر الى الفلاح غاضبا قال‏
افما سر منديلك اهو مسحور ظننت ان الميزان خرب لكن وزنه لمنديل الماء صحيح
ابتسم الفلاح
وشرع السلطان يزن المنديل من جديد فوضع دينارين ذهبيين
ثلاثة اربعة حتى وصل الى العشرة حينها توازنت الكفتان
كاد السلطان يجن، ماذا يحدث ايعقل هذا عشرة عشرة دنانير
نهض محموما امسك بياقة الفلاح وقال‏
تكلم ايها المعتوه اعترف من سحر لك هذا المنديل
وبهدوء شديد اجابه الفلاح‏
-اصلح الله مولاي السلطان القصة ليست قصة سحر فانا لا اومن به
القصة باختصار هي ان الرجل عندما يعمل عملا شريفا يهدف من ورائه الى اللقمة الطاهرة
ينز جبينه عرقا هذا العرق يكون ثقيلا اثقل من الماء بكثير
هز السلطان راسه وابتسم راضيا قال‏
سلم الله فمك وبارك لك بمالك وجهدك وعرقك تفضل خذ دنانيرك العشرة واقصد اهلك غانما
قصد الفلاح اهله مسرورا واخبرهم بما جرى ففرحوا وهللوا وتبدلت معيشتهم فنعموا ورفلوا‏
وتوتة توتة خلصت الحدوتة