السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه اجمعين

(لقد خلقنا الانسان في كبد بقول الامام القرطبي في تفسيره للاية كلاما عجيبا عن المكابدة فاحببت ان انقله لكم لنتعرف عن المكابدة وكيف شرحه علمائنا رحمهم الله
الى هنا انتهى القسم؛ وهذا جوابه ولله ان يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها كما تقدم والانسان هنا ابن ادم "في كبد" اي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا واصل الكبد الشدة ومنه تكبد اللبن: غلظ وخثر واشتد ومنه الكبد؛ لانه دم تغلظ واشتد ويقال: كابدت هذا الامر: قاسيت شدته: قال لبليد:
يا عين هلا بكيت اربد اذ قمنا وقام الخصوم في كبد
قال ابن عباس والحسن: "في كبد" اي في شدة ونصب وعن ابن عباس ايضا: في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت اسنانه وغير ذلك من احواله وروى عكرمة عنه قال: منتصبا في بطن امه والكبد: الاستواء والاستقامة فهذا امتنان عليه في الخلقة ولم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن امها الا منكبه على وجهها الا ابن ادم فانه منتصب انتصابا؛ وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما ابن كبسان: منتصبا راسه في بطن امه؛ فاذا اذن الله ان يخرج من بطن امه قلب راسه الى رجلي امه وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الاخرة وعنه ايضا: يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء؛ لانه لا يخلو من احدهما ورواه ابن عمر وقال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن ادم؛ وهو مع ذلك اضعف الخلق.
قال علماؤنا:
اول ما يكابد قطع سرته،
ثم اذا قمط قماطا وشد رباطا يكابد الضيق والتعب
ثم يكابد الارتضاع ولو فاته لضاع
ثم يكابد نبت اسنانه وتحرك لسانه
ثم يكابد الفطام الذي هو اشد من اللطام
ثم يكابد الختان والاوجاع والاحزان
ثم يكابد المعلم وصولته والمؤدب وسياسته والاستاذ وهيبته
ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه
ثم يكابد شغل الاولاد والخدم والاجناد
ثم يكابد شغل الدور وبناء القصور
ثم الكبر والهرم وضعف الركبة والقدم في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول ايرادها من صداع الراس ووجع الاضراس ورمد العين وغم الدين ووجع السن والم الاذن ويكابد محنا في المال والنفس مثل الضرب والحبس ولا يمضى عليه يوم الا يقاسي فيه شدة ولا يكابد الا مشقة
ثم الموت بعد ذلك كله
ثم مساءلة الملك وضغطة القبر وظلمته؛
ثم البعث والعرض على الله الى ان يستقر به القرار اما في الجنة واما في النار؛
قال الله تعالى: "لقد خلقنا الانسان في كبد" فلو كان الامر اليه لما اختار هذه الشدائد ودل هذا على ان له خالقا دبره وقضى عليه بهذه الاحوال؛ فليمتثل امره.(المجلد 20 المكتبة التوفيقية