مشاهدة : 16523
النتائج 1 الى 2 من 2
  1. #1
    صورة AL-SINANI
    AL-SINANI غير متصل يمون على المشاغبين والمشاغبات
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    ~*¤ô§ô¤*~ سلطنة عمان / صور العفية ~*¤ô§ô¤*~
    المشاركات
    1,655
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات

    .... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل





    --------------------------------------------------------------------------------





    يا جماعة القرضاوي هذا عالم بالفعل. بدات اقرا للرجل بعد ان سمعت وقرات عن سعة افقه وعدم تضييقه على الناس.

    هنا القرضاوي يفصل القول في الغناء ... وله راي حول (لهو الحديث) اللي صجونا فيها بعض مشايخنا ، وله راي حول حديث (الحر والحرير والمغازف) ، الحديث طلع .......

    يا الله جاهزين للقراءة؟؟ والا ما وراكم الا الدجة؟؟






















    ما حكم الاسلام في الغناء والموسيقى ؟

    لقد تبين لنا فيما ذكرناه من خلال النصوص : عناية الاسلام بالجمال , وحرصه على تربية تلك الحاسة التي تجعل الانسان يشعر بالجمال ويتذوقه في مجالاته المتنوعة .
    ومن الجمال ما يتجلى لحاسة السمع , ومنه ما يتجلى لحاسة البصر , ومنه ما يتجلى لحواس اخرى .
    ونريد هنا ان نتحدث عن « الجمال المسموع » وبعبارة اخرى : عن الغناء سواء اكان بالة موسيقية ام بغير الة , ويلزمنا ان نجيب عن هذا السوال الكبير : ما حكم الاسلام في الغناء والموسيقى ؟

    ما حكم الاسلام في الغناء والموسيقى ؟

    سوال يتردد على السنة كثيرين في مجالات مختلفة واحيان شتى .
    سوال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الاجابة عليه , واختلف سلوكهم تبعا لاختلاف اجوبتهم, فمنهم من يفتح اذنيه لكل نوع من انواع الغناء , ولكل لون من الوان الموسيقى مدعيا ان ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي اباح الله لعباد .
    ومنهم من يغلق الراديو او يغلق اذنيه عند سماع اية اغنية قائلا : ان الغناء مزمار الشيطان , ولهو الحديث ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وخاصة اذا كان المغني امراة , فالمراة -عندهم - صوتها عورة بغير الغناء , فكيف بالغناء ؟ ويستدلون لذلك بايات واحاديث واقوال .
    ومن هولاء من يرفض اي نوع من انواع الموسيقى , حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الاخبار .
    ووقف فريق ثالث مترددا بين الفريقين ؛ ينحاز الى هولاء تارة , والى اولئك طورا , ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الاسلام في هذا الموضوع الخطير , الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية , وخصوصا بعد ان دخلت الاذاعة - المسموعة والمرئية - على الناس بيوتهم , بجدها وهزلها , وجذبت اليها اسماعهم باغانيها وموسيقاها طوعا وكرها .
    والغناء بالة - اي مع الموسيقى - وبغير الة : مسالة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الاسلام منذ العصور الاولى , فاتفقوا في مواضع واختلفوا في اخرى .
    اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش او فسق او تحريض على معصية , اذ الغناء ليس الا كلاما , فحسنه حسن , وقبيحه قبيح , وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام , فما بالك اذا اجتمع له الوزن والنغم والتاثير ؟
    واتفقوا على اباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الالات والاثارة , وذلك في مواطن السرور المشروعة , كالعرس وقدوم الغائب , وايام الاعياد . . . ونحوها , بشرط الا يكون المغني امراة في حضرة اجانب منها .
    وقد وردت في ذلك نصوص صريحة - سنذكرها فيما بعد .
    واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا بينا : فمنهم من اجاز كل غناء بالة وبغير الة , بل اعتبره مستحبا , ومنهم من منعه بالة واجازه بغير الة , ومنهم من منعه منعا باتا باله وبغير الة , وعده حراما , بل ربما ارتقى به الى درجة « الكبيرة » .
    ولاهمية الموضوع نرى لزاما علينا ان نفصل فيه بعض التفصيل , ونلقي عليه اضواء كاشفة لجوانبه المختلفة , حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام , متبعا للدليل الناصع , لا مقلدا قول قائل , وبذلك يكون على بينة من امره , وبصيرة من دينه .






    الاصل في الاشياء الاباحة

    قرر علماء الاسلام ان الاصل في الاشياء الاباحة لقوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ) , ولا تحريم الا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى , او سنة رسوله صلى الله عليه وسلم او اجماع ثابت متيقن , فاذا لم يرد نص ولا اجماع . او ورد نص صريح غير صحيح , او صحيح غير صريح , بتحريم شئ من الاشياء , لم يوثر ذلك في حله , وبقى في دائرة العفو الواسعة , قال تعالى : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم اليه ) .
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما احل الله في كتابه فهو حلال , وما حرم فهو حرام , وما سكت عنه فهو عفو , فاقبلوا من الله عافيته , فان الله لم يكن لينسى شيئا » , وتلا : (وما كان ربك نسيا ) ( رواه الحاكم عن ابى الدرداء وصححه , واخرجه البزار ) .
    وقال : « ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها, وحد حدودا فلا تعتدوها , وسكت عن اشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ( اخرجه الدارقطنى عن ابي ثعلبة الخشنى . وحسنه الحافظ ابو بكر السمعانى في اماليه , والنووي في الاربعين ) .
    واذا كانت هذه هي القاعدة فما هي النصوص والادلة التي استند اليها القائلون بتحريم الغناء , وما موقف المجيزين منها ؟








    ادلة المحرمين للغناء ومناقشتها

    ( ا ) استدل المحرمون بما روى عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين : انهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا , اولئك لهم عذاب مهين ) وفسروا لهو الحديث بالغناء .
    قال ابن حزم : ولا حجة في هذا لوجوه :
    احدها : انه لا حجه لاحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    والثاني : انه قد خالف غيرهم من الصحابة والتابعين .
    والثالث : ان نص الاية يبطل احتجاجهم بها ! لان فيها : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) وهذه صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف , اذا اتخذ سبيل الله هزوا . قال :
    « ولو ان امرءا اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله , ويتخذه هزوا , لكان كافرا ؛ فهذا هو الذي ذم الله تعالى , وما ذم قط - عز وجل - من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه , لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بقول هولاء , وكذلك من اشتغل عامدا عن الصلاة بقراءة القران , او بقراءة السنن , او بحديث يتحدث به , او بغناء او بغير ذلك , فهو فاسق عاص لله تعالى, ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن » .
    ( ب ) واستدلوا بقوله تعالى في مدح المومنين : ( واذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه ) , والغناء من اللغو فوجب الاعراض عنه .
    ويجاب بان الظاهر من الاية ان اللغو : سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك , وبقية الاية تنطق بذلك . قال تعالى : ( واذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) , فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) .
    ولو سلمنا ان اللغو في الاية يشمل الغناء لوجدنا الاية تستحب الاعراض عن سماعه وتمدحه , وليس فيها ما يوجب ذلك .
    وكلمة « اللغو » ككلمة « الباطل » تعنى ما لا فائدة فيه , وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرما ما لم يضيع حقا , او يشغل من واجب .
    روى عن ابن جريج : انه كان يرخص في السماع فقيل له : ايوتى به يوم القيامة في جملة حسناتك او سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات : لانه شبيه باللغو , قال تعالى : ( لا يواخذكم الله باللغو في ايمانكم ) .
    قال الامام الغزالي : « اذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم , والمخالفة فيه - مع انه لا فائدة فيه - لا يواخذ به , فكيف يواخذ بالشعر والرقص » ؟! .
    على اننا نقول : ليس كل غناء لغوا : انه ياخذ حكمه وفق نية صاحبه , فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة , والمزح طاعة , والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء : « ان الله لا ينظر الى صوركم واموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم واعمالكم » .
    وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » ردا على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء ام من غير الحق ؟ ولا سبيل الى قسم ثالث , وقد قال الله تعالى : ( فماذا بعد الحق الا الضلال ) فجوابنا - وبالله التوفيق - : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى » فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق , وكذلك كل شئ غير الغناء , ومن نوى به ترويح نفسه , ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل , وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن , وفعله هذا من الحق . ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه , كخروج الانسان الى بستانه , وقعوده على باب داره متفرجا , وصبغه ثوبه لازورديا او اخضر او غير ذلك , ومد ساقه وقبضها , وسائر افعاله .
    ( ج ) واستدلوا بالحديث : « كل لهو يلهو به المومن فهو باطل الا ثلاثة : ملاعبة الرجل اهله , وتاديبه فرسه , ورميه عن قوسه » ( رواه اصحاب السلف الاربعة , وفيه اضطراب ) . . والغناء خارج عن هذه الثلاثة .
    واجاب المجوزون بضعف الحديث , ولو صح لما كان فيه حجة , فان قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن ابى الدرداء قوله : « اني لاستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون اقوى لها على الحق . على ان الحصر في الثلاثة غير مراد , فان التلهي بالنظر الى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الامور الثلاثة , وقد ثبت في الصحيح . ولا شك ان التفرج في البساتين وسماع اصوات الطيور , وانواع المداعبات مما يلهو به الرجل , لا يحرم عليه شئ منها وان جاز وصفه بانه باطل .
    ( د ) واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري - معلقا - عن ابى مالك او ابى عامر الاشعري - شك من الراوي - عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « ليكونن قوم من امتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف » . والمعازف : الملاهي, او الات العزف .
    والحديث وان كان في صحيح البخاري , الا انه من « المعلقات » لا من « السندات المتصلة » ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده , ومع التعليق فقد قالوا : ان سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب .
    وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث , ووصله بالفعل من تسع لحرق , ولكنها جميعا تدور على راو تكلم فيه عدد من الائمة النقاد , الا وهو : هشام ابن عمار . وهو - وان كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها وعالمها , ووثقه ابن معين والعجلى - فقد قال عنه ابو داود : حدث باربعمائة حديث لا اصل لها .
    وقال ابو حاتم : صدوق وقد تغير , فكان كل ما دفع اليه قراه , وكل ما لقنه تلقن . وكذلك قال ابن سيار .
    وقال الامام احمد : طياش خفيف .
    وقال النسائي : لا باس به ( وهذا ليس بتوثيق مطلق ) .
    ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر. وانكروا عليه انه لم يكن يحدث الا باجر !
    ومثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع , وخصوصا في امر عمت به البلوى .
    ورغم ما في ثبوته من الكلام , ففي دلالته كلام اخر ! فكلمة « المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي , وهذه مجملة , وقيل : الات العزف .
    ولو سلمنا بان معناها : الات الطرب المعروفة بالات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلق في البخاري غير صريح في افادة حرمة « العازف » لان عبارة « يستحلون » كما ذكر ابن العربي لها معنيان : احدهما : يعتقدون ان ذلك حلال , والثاني : ان تكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الامور ! اذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعنى الحقيقي , لكان كفرا , فان استحلال الحرام المقطوع به - مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » - كفر بالاجماع .
    ولو سلمنا بدلالتها على الحرمة , فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر والحرير والخمر والمعازف , او كل فرد منها على حدة ؟ والاول هو الراجح . فان الحديث في الواقع ينعى على اخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف والليالي الحمراء , وشرب الخمور . فهم بين خمر ونسا ء , ولهو وغناء , وخز وحرير . ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث عن ابى مالك الاشعري بلفظ : « ليشربن اناس من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها , يعزف على رووسهم بالمعازف والمغنيات , يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير » , وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه , والبخاري في تاريخه .
    وكل من روى الحديث من طريق غير طريق هشام بن عمار , جعل الوعيد على شرب الخمر , وما المعازف الا مكملة وتابعة .
    ( ه ) واستدلوا بحديث عائشة : « ان الله تعالى حرم القينة ( اي الجارية ) وبيعها وثمنها , وتعليمها » .
    والجواب عن ذلك :
    اولا : ان الحديث ضعيف , وكل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف .
    ثانيا : قال الغزالي : المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب , وغناء الاجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام , وهم لا يقصدون بالفتنة الا ما هو محذور . فاما غناء الجارية لمالكها , فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة , بدليل ما روى في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضى الله تعالى عنها, وسياتي .




    تابع ادلة المحرمين ومناقشتها:


    ثالثا : كان هولاء القيان المغنيات يكون عنصرا هاما من نظام الرقيق , الذي جاء الاسلام بتصفيته تدريجيا , فلم يكن يتفق وهذه الحكمة : اقرار بقا ء هذه الطبقة في المجتمع الاسلامي , فاذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » وبيعها , والمنع منه , فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد .
    ( و ) واستدلوا بما روى نافع : ان ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع اصبعيه في اذنيه , وعدل راحلته عن الطريق , وهو يقول : يا نافع , اتسمع ؟ فاقول : نعم , فيمضى , حتى قلت : لا . فرفع يده وعدل راحلته الى الطريق وقال : « رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا ( رواه احمد وابو داود وابن ماجه ) .
    والحديث قال عنه ابو داود : حديث منكر .
    ولو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم . فلو كان سماع المزمار حراما ما اباح النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر سماعه , ولو كان عند ابن عمر حراما ما اباح لنافع سماعه , ولامر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر , فاقرار النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر دليل على انه حلال .
    وانما تجنب - عليه السلام - سماعه كتجنبه اكثر المباح من امور الدنيا كتجنبه الاكل متكئا وان يبيت عنده دينار او درهم . . . . الخ .
    ( ز ) واستدلوا ايضا بما روى : « ان الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم , وانما ثبت قولا لبعض الصحابة او التابعين , فهو راى لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال - وبخاصة الصوفية - : ان الغناء يرقق القلب , ويبعث الحزن والندم على المعصية , ويهيج الشوق الى الله تعالى , ولهذا اتخذوه وسيلة لتجدد نفوسهم , وتنشيط عزائمهم , واثارة اشواقهم . قالوا : وهذا امر لا يعرف الا بالذوق والتجربة والممارسة , ومن ذاق عرف , وليس الخبر كالعيان .ا
    على ان الامام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع , اذ كان غرض المغني ان يعرض نفسه على غيره , ويروج صوته عليه , ولا يزال ينافق ويتودد الى الناس ليرغبوا في غنائه . ومع هذا قال الغزالي : وذلك لا يوجب تحريما , فان لبس الثياب الجميلة , وركوب الخيل المهملجة , وسائر انواع الزينة , والتفاخر بالحرث والانعام والزرع وغير ذلك , ينبت النفاق في القلب , ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله , فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي , بل ان المباحات , التي هي مواقع نظر الخلق , اكثر تاثيرا.
    ( ح ) واستدلوا على تحريم غناء المراة خاصة , بما شاع عند بعض الناس من ان صوت المراة عورة . وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله على ان صوت المراة عورة , وقد كان النساء يسالن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملا من اصحابه , وكان الصحابة يذهبون الى امهات المومنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم , ولم يقل احد : ان هذا من عائشة او غيرها كشف لعورة يجب ان تستر . مع ان نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غيرهن . وقال تعالى : ( وقلن قولا معروفا ).
    فان قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء , قلنا : روى الصحيحان ان النبي صلى الله عليه وسلم سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما , وقال لابى بكر : دعهما . وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين .
    ( ط ) واستدلوا بحديث الترمذي عن علي مرفوعا : « اذا فعلت امتي خمس عشرة خصلة , هل بها البلاء… » , وذكر منها : « واتخذت القينات والمعازف » , والحديث متفق على ضعفه , فلا حجة فيه .
    والخلاصة : ان النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم اما صحيح غير صريح , او صريح غير صحيح . ولم يسلم حديث واحد مرفوع الى رسول الله يصلح دليلا للتحريم , وكل احاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية .
    قال القاضي ابو بكر بن العربي في كتاب « الاحكام » : لم يصح في التحريم شئ .
    وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة .
    وقال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .
    وقال ابن حزم : ولا يصح في هذا الباب شئ , وكل ما فيه فموضوع . ووالله لو اسند جميعه , او واحد منه فاكثر , من طريق الثقات الى رسول الله صلى الله عليه وسلم , لما ترددنا في الاخذ به .








    ادلة المجيزين للغناء

    ادلة المجيزين للغناء :

    تلك هي ادلة المحرمين , وقد سقطت واحدا بعد الاخر , ولم يقف دليل منها على قدميه . واذا انتفت ادلة التحريم بقى حكم الغناء على امل الاباحة بلا شك , ولو لم يكن معنا نص او دليل واحد على ذلك غير سقوط ادلة التحريم . فكيف ومعنا نصوص الاسلام الصحيحة الصريحة , وروحه السمحة , وقواعده العامة , ومبادئه الكلية ؟
    وهاك بيانها :
    اولا - من حيث النصوص :
    استدلوا بعدد من الاحاديث الصحيحة , منها : حديث غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة , وانتهار ابى بكر لهما , وقوله : مزمار الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم , وهذا يدل على انهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم , فلو صح ذلك لم تستحقا غضب ابى بكر الى هذا الحد .
    والمعول عليه هنا هو رد النبي صلى الله عليه وسلم على ابى بكر رضى الله عنه وتعليله : انه يريد ان يعلم اليهود ان في ديننا فسحة , وانه بعث بحنيفية سمحة . وهو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الاسلام لدى الاخرين , واظهار جانب اليسر والسماحة فيه .
    وقد روى البخاري واحمد عن عائشة انها زفت امراة الى رجل من الانصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يا عائشة , ما كان معهم من لهو ؟ فان الانصار يعجبهم اللهو » .
    وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال : انكحت عائشة ذات قرابة لها من الانصار , فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ‹« اهديتم الفتاة » ؟ قالوا : نعم . قال : « ارسلتم معها من يغنى » ؟ قالت : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ان الانصار قوم فيهم غزل , فلو بعثتم معها من يقول : اتيناكم اتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟!
    وهذا الحديث يدل على رعاية اعراف الاقوام المختلفة , واتجاههم المزاجي , ولا يحكم المرء مزاجه هو في حياة كل الناس .
    وروى النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب وابى مسعود الانصاري في عرس , واذا جوار يغنين . فقلت : اي صاحبي رسول الله اهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! فقالا : اجلس ان شئت فاستمع معنا , وان شئت فاذهب , فانه قد رخص لنا اللهو عند العرس .
    وروى ابن حزم بسند« عن ابن سيرين : ان رجلا قدم المدينة بجوار فاتى عبد الله ابن جعفر فعرضهن عليه , فامر جارية منهن فغنت , وابن عمر يسمع , فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة , ثم جاء الرجل الى ابن عمر فقال : يا ابا عبد الرحمن , غبن بسبعمائة درهم ! فاتى ابن عمر الى عبد الله بن جعفر فقال له : انه غبن بسبعمائة درهم , فاما ان تعطيها اياه , واما ان ترد عليه بيعه , فقال : بل نعطيه اياها . قال ابن حزم : فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية , وهذا اسناد صحيح , لا تلك الملفقات الموضوعة .
    واستدلوا بقوله تعالى : ( واذا راوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما , قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة , والله خير الرازقين ) .
    فقرن اللهو بالتجارة - وهى حلال بيقين - , ولم يذمهما الا من حيث شغل الصحابة بهما - بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحا بها - من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم , وتركه قائما .
    واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم : انهم باشروا السماع بالفعل او اقروه وهم القوم يقتدى بهم فيهتدى . واستدلوا بما نقله غير واحد من الاجماع على اباحة السماع , كما سنذكره بعد .

    وثانيا من حيث روح الاسلام وقواعده :
    ( ا ) لا شئ في الغناء الا انه من طيبات الدنيا التي تستلذها الانفس , وتستطيبها العقول , وتستحسنها الفطر , وتشتهيها الاسماع , فهو لذة الاذن , كما ان الطعام الهنيء لذة المعدة , والمنظر الجميل لذة العين , والرائحة الذكية لذة الشم …. الخ , فهل الطيبات - اي المستلذات - حرام في الاسلام ام حلال ؟
    من المعروف ان الله تعالى كان قد حرم على بني اسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا , كما قال تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * واخذهم الربا وقد نهوا عنه واكلهم اموال الناس بالباطل ) , فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم جعل عنوان رسالته في كتب الاولين انه : ( يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم ) . فلم يبق في الاسلام شيء طيب - اي تستطيبه الانفس والعقول السليمة - الا احله الله , رحمة بهذه الامة لعموم رسالتها وخلودها . قال تعالى : ( يسالونك ماذا احل لهم , قل احل لكم الطيبات ) .
    ولم يبح الله لواحد من الناس ان يحرم على نفسه او على غيره شيئا من الطيبات مما رزق الله , مهما يكن صلاح نيته او ابتغاء وجه الله فيه , فان التحليل والتحريم من حق الله وحده , وليس من شان عباده, قال تعالى : ( قل ارايتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءالله اذن لكم , ام على الله تفترون ) , وجعل سبحانه تحريم ما احله من الطيبات كاحلال ما حرم من المنكرات , كلاهما يجلب سخط الله وعذابه , ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين , والضلال البعيد , قال جل شانه ينعى على من فعل ذلك من اهل الجاهلية : ( قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله , قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) .
    ( ب ) ولو تاملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة انسانية وفطرة بشرية , حتى اننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه , وتنصرف نفسه عما يبكيه الى الاصغاء اليه . ولذا تعودت الامهات والمرضعات والمربيات الغناء للاطفال منذ زمن قديم . بل نقول : ان الطيور والبهائم تتاثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الاحياء : « من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال , بعيد عن الروحانية , زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم , اذ الجمل - مع بلادة طبعه - يتاثر بالحداء تاثرا يستخف معه الاحمال الثقيلة , ويستقصر - لقوة نشاطه في سماعه - المسافات الطويلة , وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه . فترى الابل اذا سمعت الحادي تمد اعناقها , وتصغي اليه ناصبة اذانها , وتسرع في سيرها , حتى تتزعزع عليها احمالها ومحاملها » .
    واذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟ كلا , انما جاء لتهذيبها والسمو بها , وتوجيهها التوجيه القويم . قال الامام ابن تيمية رحمه الله : ان الانبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها .
    ومصداق ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما , فقال : « ما هذان اليومان »؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال عليه السلام : « ان الله قد ابدلكم بهما خيرا منهما : يوم الاضحى ويوم الفطر » ( رواه احمد وابو داود والنسائي ) .
    وقالت عائشة : « لقد رايت النبي يسترني بردائه , وانا انظر الى الحبشة يلعبون في المسجد , حتى اكون انا التي اسامه - اي اللعب - فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو » .
    واذا كان الغناء لهوا ولعبا فليس اللهو واللعب حراما , فالانسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة .
    قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة - حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده , وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا حنظلة , ساعة وساعة » (رواه مسلم ) .
    وقال علي بن ابى طالب : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة , فان القلوب اذا اكرهت عميت .
    وقال كرم الله وجهه : ان القلوب تمل كما تمل الابدان , فابتغوا لها طرائف الحكمة .
    وقال ابو الدرداء : اني لاستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون اقوى لها على الحق .
    وقد اجاب الامام الغزالي ممن قال : ان الغناء لهو ولعب بقوله : « هو كذلك , ولكن الدنيا كلها لهو ولعب . . . وجميع المداعبة مع النساء لهو , الا الحراثة التي هي سبب وجود الولد , كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال , نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة .
    واي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم , فقد ثبت بالنص اباحته . على اني اقول : اللهو مروح القلب , ومخفف اعباء الفكر , والقلوب اذا اكرهت عميت , وترويحها اعانة لها على الجد , فالمواظب على التفقه مثلا ينبغي ان يتعطل يوم الجمعة : لان عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الايام , والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الاوقات ينبغي ان يعطل في بعض الاوقات , ولاجله كرهت الصلاة في بعض الاوقات , فالعطلة معونة على العمل , واللهو معين على الجد , ولا يصبر على الجد المحض , والحق المر , الا نفوس الانبياء , عليهم السلام .
    فاللهو دواء , القلب من داء الاعياء والملال , فينبغي ان يكون مباحا , ولكن لا ينبغي ان يستكثر , كما لا يستكثر من الدواء. فاذن اللهو على هذه النية يصير قربه , هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها , بل ليس له الا اللذة والاستراحة المحضة , فينبغي ان يستحب له ذلك , ليتوصل به الى المقصود الذي ذكرناه . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال , فان الكامل هو الذي لا يحتاج ان يروح نفسه بغير الحق , ولكن حسنات الابرار سيئات المقربين , ومن احاط بعلم علاج القلوب , ووجوه التلطف بها , وسياقاتها الى الحق , علم قطعا ان ترويحها بامثال هذه الامور دواء نافع لا غنى عنه » . . انتهى كلام الغزالي , وهو كلام نفيس يعبر عن روح الاسلام الحق .










    القائلون باجازة الغناء

    القائلون باجازة الغناء :

    تلك هي الادلة المبيحة للغناء من نصوص الاسلام وقواعده , فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل , ولم يذهب الى ذلك فقيه , فكيف وقد قال بموجبها الكثيرون من صحابة وتابعين واتباع وفقهاء ؟
    وحسبنا ان اهل المدينة - على ورعهم - والظاهرية - على حرفيتهم وتمسكهم بظواهر النصوص - والصوفية - على تشددهم واخذهم بالعزائم دون الرخص - روى عنهم اباحة الغناء .
    قال الامام الشوكاني في « نيل الاوطار » : « ذهب اهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر , وجماعة الصوفية , الى الترخيص في الغناء , ولو مع العود واليراع » .
    وحكى الاستاذ ابو منصور البغدادي الشافعي في مولفه في السماع : ان عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء باسا , ويصوغ الالحان لجواريه , ويسمعها منهن على اوتاره . وكان ذلك في زمن امير المومنين علي رضى الله عنه .
    وحكى الاستاذ المذكور مثل ذلك ايضا عن القاضي شريح , وسعيد بن المسيب , وعطاء بن ابى رباح , والزهرى , والشعبى .
    وقال امام الحرمين في النهاية , وابن ابي الدنيا : نقل الاثبات من المورخين : ان عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات , وان ابن عمر دخل اليه والى جنبه عود , فقال : ما هذا يا صاحب رسول الله ؟.ا فناوله اياه , فتامله ابن عمر فقال : هذا ميزان شامي ؟ قال ابن الزبير : يوزن به العقول !
    وروى الحافظ ابو محمد بن حزم في رسالته في السماع بسنده الى ابن سيرين قال : « ان رجلا قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر , وفيهن جارية تضرب . فجاء رجل فساومه , فلم يهو فيهن شيئا . قال : انطلق الى رجل هو امثل لك بيعا من هذا . قال : من هو ؟ قال : عبد الله بن جعفر . . فعرضهن عليه , فامر جارية منهن , فقال لها : خذي العود , فاخذته , فغنت , فبايعه ثم جاء الى ابن عمر . . . . الى اخر القصة .
    وروى صاحب « العقد » العلامة الاديب ابو عمر الاندلسي : ان عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود , ثم قال لابن عمر : هل ترى بذلك باسا ؟ قال : لا باس بهذا .
    وحكى الماوردى عن معاوية وعمرو بن العاص : انهما سمعا العود عند ابن جعفر .
    وروى ابو الفرج الاصبهانى : ان حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره .
    وذكر ابو العباس المبرد نحو ذلك . والمزهر عند اهل اللغة : العود .
    وذكر الادفوى : ان عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة . ونقل ابن السمعانى الترخيص عن طاووس , ونقله ابن قتيبة وصاحب « الامتاع » عن قاضى المدينة سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين . ونقله ابو يعلى الخليلى في « الارشاد » عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة .
    وحكى الرويانى عن القفال : ان مذهب مالك بن انس اباحة الغناء بالمعازف , وحكى الاستاذ ابو منصور الفورانى عن مالك جواز العود , وذكر ابو طالب المكي في « قوت القلوب » عن شعبة : انه سمع طنبورا في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور .
    وحكى ابو الفضل بن طاهر في مولفه في « السماع » : انه لا خلاف بين اهل المدينة في اباحة العود .
    قال ابن النحوي في « العمدة » : وقال ابن طاهر : هو اجماع اهل المدينة .
    قال ابن طاهر : واليه ذهبت الظاهرية قاطبة . قال الادفوى : لم يختلف النقلة في نسبة الضرب الى ابراهيم بن سعد المتقدم الذكر , وهو ممن اخرج له الجماعة كلهم ( يعنى بالجماعة : اصحاب الكتب الستة , من الصحيحين والسنن ) .
    وحكى الماوردى اباحة العود عن بعض الشافعية , وحكاه ابو الفضل بن طاهر عن ابى اسحاق الشيرازي , وحكاه الاسنوى في « المهمات » عن الرويانى والماوردى , ورواه ابن النحوي عن الاستاذ ابى منصور , وحكاه ابن الملقن في « العمدة » عن ابن طاهر , وحكاه الادفوى عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام , وحكاه صاحب « الامتاع » عن ابى بكر بن العربي , وجزم بالاباحة الادفوى .
    هولاء جميعا قالوا بتحليل السماع , مع الة من الالات المعروفة - اي الات الموسيقى .
    واما مجرد الغناء من غير الة , فقال الادفوى في « الامتاع » : ان الغزالي في بعض تاليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله , ونقل ابن طاهر اجماع الصحابة والتابعين عليه , ونقل التاج الفزارى وابن قتيبة اجماع اهل الحرمين عليه , ونقل ابن طامر وابن قتيبة ايضا اجماع اهل المدينة عليه , وقال الماوردى : لم يزل اهل الحجاز يرخصون فيه في افضل ايام السنة المامور فيها بالعبادة والذكر .
    قال ابن النحوي في « العمدة » : وقد روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين , فمن الصحابة عمر - كما رواه ابن عبد البر وغير- وعثمان - كما نقله الماوردى وصاحب البيان والرافعى - وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن ابى شيبة - وابو عبيدة بن الجراح - كما اخرجه البيهقى- وسعد بن ابى وقاص - كما اخرجه ابن قتيبة - وابو مسعود الانصاري - كما اخرجه البيهقى - وبلال وعبد الله بن الارقم واسامة بن زيد - كما اخرجه البيهقى ايضا - وحمزة كما في الصحيح - وابن عمر - كما اخرجه ابن طاهر - والبراء بن مالك - كما اخرجه ابو نعيم - وعبد الله بن جعفر - كما رواه ابن عبد البر - وعبد الله بن الزبير - كما نقل ابو طالب المكى - وحسان - كما رواه ابو الفرج الاصبهانى - وعبد الله بن عمرو - كما رواه الزبير بين بكار - وقرظة بن كعب - كما رواه ابن قتيبة - وخوات بن جبير ورباح المعترف كما اخرجه صاحب الاغاني - والمغيرة بن شعبة - كما حكاه ابو طالب المكى- وعمرو بن العاص - كما حكاه الماوردى - وعائشة والربيع - كما في صحيح البخاري وغيره .
    واما التابعون فسعيد بن المسيب , وسالم بن عبد الله بن عمر , وابن حسان , وخارجة بن زيد , وشريح القاضى , وسعيد بن جبير , وعامر الشعبي , وعبد الله ابن ابى عتيق , وعطاء بن ابى رباح , ومحمد بن شهاب الزهري , وعمر بن عبد العزيز , وسعد بن ابراهيم الزهري .
    واما تابعوهم , فخلق لا يحصون , منهم : الائمة الاربعة , وابن عيينة , وجمهور الشافعية ». انتهى كلام ابن النحوي . هذا كله ذكره الشوكانى في « نيل الاوطار »


  2. #2
    صورة AL-SINANI
    AL-SINANI غير متصل يمون على المشاغبين والمشاغبات
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    ~*¤ô§ô¤*~ سلطنة عمان / صور العفية ~*¤ô§ô¤*~
    المشاركات
    1,655
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    قيود وشروط لا بد من مراعاتها

    قيود وشروط لا بد من مراعاتها :

    ولا ننسى ان نضيف الى هذا الحكم : قيودا لا بد من مراعاتها في سماع الغناء :
    1. نوكد ما اشرنا اليه انه ليس كل غناء مباحا , فلا بد ان يكون موضوعه متفقا مع ادب الاسلام وتعاليمه .
    فلا يجوز التغني بقول ابى نواس :

    دع عنك لومي , فان اللوم اغراء وداوني بالتي كانت هي الداء !

    ولا بقول شوقي :

    رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى الى مشتاق

    واخطر منها : قول ايليا ابى ماضي في قصيدته « الطلاسم » :

    جئت لا اعلم من اين , ولكني اتيت !

    ولقد ابصرت قدامى طريقا فمشيت !

    كيف جئت ا كيف ابصرت طريقي ؟ لست ادرى !

    لانها تشكيك في اصول الايمان : المبدا , والمعاد , والنبوة .
    ومثلها : ما عبر عنه بالعامية في اغنية « من غير ليه » ا وليست اكثر من ترجمة شك ابى ماضي الى العامية , ليصبح تاثيرها اوسع دائرة .
    ومثل ذلك الاغنية التي تقول : « الدنيا سيجارة وكاس » . فكل هذه مخالفة لتعاليم الاسلام الذي يجعل الخمر رجسا من عمل الشيطان , ويلعن شارب « الكاس » وعاصرها وبائعها وحاملها وكل من اعان فيها بعمل . والتدخين ايضا افة ليس وراءها الا ضرر الجسم والنفس والمال .
    والاغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم امتنا , مخالفة لتعاليم الاسلام , الذي يلعن الظالمين , وكل من يعينهم , بل من يسكت عليهم , فكيف بمن يمجدهم ؟ا
    والاغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة او صاحبة العيون الجريئة اغنية تخالف ادب الاسلام الذي ينادي كتابه : ( قل للمومنين يغضوا من ابصارهم ….. ) , ( وقل للمومنات يغضضن من ابصارهن ) , ويقول صلى الله عليه وسلم : « يا علي , لا تتبع النظرة النظر» , فان لك الاولى وليست لك الاخرة».
    2. ثم ان طريقة الاداء لها اهميتها , فقد يكون الموضوع لا باس به ولا غبار عليه , ولكن طريقة المغني او المغنية في ادائه بالتكسر في القول , وتعمد الاثارة , والقصد الى ايقاظ الغرائز الهاجعة , واغراء القلوب المريضة ينقل الاغنية من دائرة الاباحة الى دائرة الحرمة او الشبهة او الكراهة من مثل ما يذاع على الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الاغاني التي تلح على جانب واحد , هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام , واشعالها بكل اساليب الاثارة والتهيج , وخصوصا لدى الشباب والشابات .
    ان القران يخاطب نساء النبي فيقول : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) . فكيف اذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتاثير .
    3. ومن ناحية ثالثة يجب الا يقترن الغناء بشيء محرم , كشرب الخمر او التبرج او الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء , بلا قيود ولا حدود , وهذا هو المالوف في مجالس الغناء والطرب من قديم . وهى الصورة الماثلة في الاذهان عندما يذكر الغناء , وبخاصة غناء الجواري والنساء .
    وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره : « ليشربن ناس من امتي الخمر , يسمونها بغير اسمها , يعزف على رووسهم بالمعازف والمغنيات , يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير » .
    واود ان انبه هنا على قضية مهمة , وهى : ان الاستماع الى الغناء في الازمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء , ومخالطة المغنيين والمغنيات وحواشيهم , وقلما كانت تسلم هذه المجالس من اشياء ينكرها الشرع , ويكرهها الدين .
    اما اليوم فيستطيع المرء ان يستمع الى الاغاني وهو بعيد عن اهلها ومجالسها , وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية , ويميل بها الى جانب الاذن والتيسير .
    4. الغناء - ككل المباحات - يجب ان يقيد بعدم الاسراف فيه , وبخاصة الغناء , العاطفي , الذي يتحدث عن الحب والشوق , فالانسان ليس عاطفة فحسب , والعاطفة ليست حبا فقط , والحب لا يختص بالمراة وحدها , والمراة ليست جسدا وشهوة لا غير , لهذا يجب ان نقلل من هذا السيل الغامر من الاغاني العاطفية الغرامية , وان يكون لدينا من اغانينا وبرامجنا وحياتنا كلها توزيع عادل , وموازنة مقسطة بين الدين والدنيا , وفى الدنيا بين حق الفرد وحقوق المجتمع , وفى الفرد بين عقله وعاطفته , وفى مجال العاطفة بين العواطف الانسانية كلها من حب وكره وغيرة وحماسة وابوة وامومة وبنوة واخوة وصداقة . . . الخ , فلكل عاطفة حقها.
    اما الغلو والاسراف والمبالغة في ابراز عاطفة خاصة , فذلك على حساب العواطف الاخرى , وعلى حساب عقل الفرد وروحه وارادته , وعلى حساب المجتمع وخصائصه ومقوماته , وعلى حساب الدين ومثله وتوجيهاته .
    ان الدين حرم الغلو والاسراف في كل شئ حتى في العبادة , فما بالك بالاسراف في اللهو , وشغل الوقت به ولو كان مباحا ؟!
    ان هذا دليل على فراغ العقل والقلب من الواجبات الكبيرة , والاهداف العظيمة , ودليل على اهدار حقوق كثيرة كان يجب ان تاخذ حظها من وقت الانسان المحدود وعمره القصير , وما اصدق واعمق ما قال ابن المقفع : « ما رايت اسراف الا وبجانبه حق مضيع » , وفي الحديث : « لا يكون العاقل ظاعنا الا لثلاث : مرمة لمعاش , او تزود لمعاد , او لذة في غير محرم » , فلنقسم اوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط , ولنعلم ان الله سائل كل انسان عن عمره : فيم افناه , وعن شبابه : فيم ابلاه ؟
    5. وبعد هذا الايضاح تبقى هناك اشياء يكون كل مستمع فيها فقيه نفسه ومفتيها , فاذا كان الغناء او نوع خاص منه يستثير غريزته , ويغريه بالفتنة , ويسبح به في شطحات الخيال , ويطغى فيه الجانب الحيواني على الجانب الروحاني , فعليه ان يتجنبه حينئذ , ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه , فيستريح ويريح .











    الغناء والطرب في واقع المسلمين

    الغناء والطرب في واقع المسلمين :

    ومن نظر في احوال المسلمين , وتامل في واقعهم المعيش , لم يجد خصومة بين المسلم المتدين وبين الاستمتاع بطيب السماع .
    ان اذن المسلم العادي موصولة ب« طيبات السماع » تلتذ بها , وتتغذى عليها كل يوم .
    من خلال القران الكريم الذي تسمعه مرتلا ومجودا ومزينا باحسن الاصوات , من احسن القراء .
    ومن خلال الاذان , الذي تطرب لسماعه كل يوم خمس مرات بالصوت الجميل . وهو ميراث من عهد النبوة , فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي كشف له عن الفاظ الاذان في رويا صادقة : علمه بلالا , فانه اندى منك صوتا .
    ومن خلال الابتهالات الدينية , التي تنشد باعذب الالحان , وارق الاصوات , فتطرب لها الافئدة , وتهتز لها الشاعر .
    ومن خلال المدائح النبوية التي توارثها المسلمون منذ سمعوا ذلك النشيد الحلو من بنات الانصار . ترحيبا بمقدم الرسول الكريم :

    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

    وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

    واذكر اني منذ نحو عشرين سنة سمعت هذا النشيد من تلميذات مدرسة اسلامية في اندونيسيا , يغنينه بلحن جماعي موثر رقيق , وكنا وفدا من دولة قطر . فرقت له قلوبنا , وسالت ادمعنا على خدودنا من فرط الرقة والتاثر .
    وفي الاعصر الماضية استطاع المسلمون ان ينشئوا لانفسهم الوانا من « طيبات السماع » يروحون بها انفسهم , ويجملون بها حياتهم , وخصوصا في القرى والريف . وقد ادركنا ذلك في عهد الصبا ومطالع الشباب . وكلها الوان فطرية نابعة من البيئة , معبرة عن قيمها , ولا غبار عليها .
    من ذلك : فن المواويل , يتغنى بها الناس في انفسهم , او يجتمعون على سماعها , ممن كان حسن الصوت منهم , واكثرهم يتحدث عن الحب والهيام والوصل والهجران , وبعضها يتحدث عن الدنيا ومتاعها , ويشكو من ظلم الناس والايام . . . الخ .
    واكثرهم كان يتغنى بها بغير الة , وبعضهم مع « الارغول » , ومن هولاء الفنانين الفطريين: من كان يولف « الموال » ويلحنه ويغنيه في وقت واحد .
    ومنها : القصص المنظومة , التي تتغنى ببطولات بعض الابطال الشعبيين , ابطال الكفاح , او ابطال الصبر , يسمعها الناس , فيطربون بها , ويرددونها , ويكادون يحفظونها عن ظهر قلب. مثل قصة « ادهم الشرقاوي » , و « شفيقة ومتولي » , و « ايوب المصري » , و « سعد اليتيم » وغيرها .
    ومنها : الملاحم الشعبية للابطال المعروفين , مثل « ابى زيد الهلالي » , والتي كان يجتمع لها الناس , ليسمعوا القصة , ويستمعوا معها الى اشعار ابطالها على نغمات « الربابة » من « الشاعر الشعبي » الذي تخصص في هذا اللون , وكانت هذه الملاحم لها عشاقها وتقوم مقام « المسلسلات » في هذا العصر .
    ومنها : اغاني الاعياد والافراح والمناسبات السارة , مثل : العرس , وولادة المولود , وختان الصبي , وقدوم الغائب , وشفا ء المريض , وعودة الحاج . . . ونحوها .
    وقد ابتكر الناس اغاني واهازيج لحنوها وغنوها بانفسهم في احوال ومناسبات مختلفة , مثل جنى الثمار او القطن وغيرها . ومثل : اهازيج العمال والفعلة , الذين يعملون في البناء وحمل الاثقال ونحوها , مثل : « هيلا , هيلا . . صل على النبي » . . وهذا له اصل شرعي من عمل الصحابة , وهم يبنون المسجد النبوي , ويحملون احجاره على مناكبهم . وهم ينشدون :

    اللهم ان العيش عيش الاخرة فاغفر للانصار والمهاجرة

    حتى الامهات , حين يهدهدن اطفالهن , ويهيئنهم للنوم , يستخدمن الغناء , ولهن كلمات مشهورة , مثل : « يارب ينام , يارب ينام . . . . » .
    ولا زلت اذكر « المسحراتية » في شهر رمضان المبارك , وهم يوقظون الناس بعد منتصف الليل بمنظومات يلذ سماعها منغمة مع دقات طبولهم .
    ومن جميل ما يذكر هنا : ما اخترعه الباعة في الاسواق , والباعة المتجولون :
    من النداء على سلعهم بعبارات منظومة موزونة . يتنافسون في التغني بها , مثل بائع العرقسوس , وباعة الفواكه والخضروات , وغيرهم .
    وهكذا نجد هذا الفن - فن الغناء - يتخلل الحياة كلها , دينية ودنيوية , ويتجاوب الناس معه بتلقائية وفطرية , ولا يجدون في تعاليم دينهم ما يعوقهم عن ذلك . ولم ير علماوهم في هذه الالوان الشعبية ما يجب ان ينكر . بل اكثر من ذلك نجدها جميعا ممزوجة بالدين ومعاني الايمان والقيم الروحية , والمثل الاخلاقية , امتزاج الجسم بالروح : من التوحيد وذكر الله والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وما شابهها .
    وهذا الذي لاحظته في مصر , وجدت مثله في بلاد الشام , وفى بلاد المغرب , وغيرها من بلاد العرب .










    لم شدد المتاخرون في امر الغناء ؟

    يلاحظ ان المتاخرين من اهل الفقه اكثر تشديدا في منع الغناء - وخصوصا مع الالات - من الفقها ء المتقدمين . وذلك لاسباب :

    الاخذ بالاحوط لا الايسر :

    1 - ان المتقدمين كانوا اكثر اخذا بالايسر , والمتاخرين اكثر اخذا بالاحوط , والاحوط يعنى : الاثقل والاشد . ومن تتبع الخط البياني للفقه والفتوى منذ عهد الصحابة فمن بعدهم يجد ذلك واضحا , والامثلة عليه لا تحصر .

    الاغترار بالاحاديث الضعيفة والموضوعة :

    2 - ان كثيرا من الفقهاء , المتاخرين ارهبهم سيل الاحاديث الضعيفة والموضوعة , التي امتلات بها الكتب , ولم يكونوا من اهل تمحيص الروايات , وتحقيق الاسانيد , فراجت لديهم هذه الاحاديث , ولا سيما مع شيوع القول بان تعدد الطرق الضعيفة يقوى بعضها بعضا .

    ضغط الواقع الغنائي :

    3 - ضغط الواقع الغنائي بما يلابسه من انحراف وتجاوز , كان له اثره في ترجيح المنع والتحريم . وهذا الواقع له صورتان اثرت كل واحدة منهما على جماعة من الفقهاء .

    غناء المجون والخلاعة :

    الصورة الاولى : صورة « الغناء الماجن » الذي غدا جزءا لا يتجزا من حياة الطبقة المترفة, التي غرقت في الملذات , واضاعت الصلوات , واتبعت الشهوات , واختلط فيها الغناء بملابسة الفجور , وشرب الخمور , وقول الزور , وتلاعب الجواري الحسان المغنيات ( القيان ) بعقول الحضور , كما شاع ذلك في حقب معروفة في العصر العباسي .
    وكان سماع الغناء يقتضي شهود هذه المجالس بما فيها من خلاعة ومجانة وفسوق عن امر الله .
    ومن الموسف ان البيئة الفنية - كما يسمونها اليوم - لا زالت مشربة بهذه الروح , ملوثة بهذا الوباء . وهذا ما يضطر كل عائد او عائدة الى الله , من الفانين والفنانات - الذين اكرمهم الله بالهداية والتوبة - ان ينسحب من ذلك الوسط , ويفر بدينه بعيدا عنه .

    غناء الصوفية :

    والصورة الثانية : صورة « الغناء الديني » الذي اتخذه الصوفية وسيلة لاثارة الاشواق , وتحريك القلوب في السير الى الله , مثلما يفعل الحداة مع الابل , فينشطونها ويستحثون خطاها, حين تسمع نغم الحداء الموزون بصوت جميل , فتستخف الحمل الثقيل , وتستقصر الطريق الطويل , وهم يعتبرون ذلك السماع عبادة وقربة الى الله , او - على الاقل - عونا على العبادة والقربة .
    وهذا ما انكره عليهم امثال شيخ الاسلام ابن تيمية , وتلميذه الامام ابن القيم , اللذين شنا على الغناء هجوما عنيفا حادا , وخصوصا ابن القيم في « اغاثة اللهفان » الذي شحذ كل اسلحته , واجلب بخيله ورجله لتحريم الغناء , واضح - على غير عادته - بغير الصحيح , وغير الصريح , اذ كان نصب عينيه ذاك النوع من الغناء , وقد راى فيه هو وشيخه انه تقرب الى الله بما لم يشرعه , واحداث امر في الدين لم يكن على عهد النبوة , ولا عهد الصحابة . وربما لابسه بعض البدع , ولا سيما اذا وقع في المساجد . انشد ابن القيم مشنعا عليهم :

    تلي الكتاب فاطرقوا لا خيفة لكنه اطراق لاه ساهي !

    واتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لاجل الله !

    دف ومزمار , ونغمة شادن فمتى رايت عبادة بملاهي ؟

    وفى بعض فتاوى ابن تيمية ما يجيز الغناء اذا كان لرفع الحرج والترويح .
























    فقه الامام الغزالي في القضية

    واعتقد ان موقف الامام الغزالي من قضية الغناء , ومناقشته الفقهية العميقة لحجج القائلين بتحريم السماع , والجواب عنها بالاجابات الشافية , ونصرته لادلة المجيزين , وتحديده للعوارض التي تعرض للسماع المباح , فتنقله الى دائرة الحرمة .. يعتبر من اعدل المواقف المعبرة عن وسطية الشريعة , وسماحتها , وصلاحيتها لكل البيئات والاعصار .
    والحق ان فقه الغزالي في « الاحياء » - بصفة عامة - فقه تحرر من قيود المذهبية , فهو لم يعد شافعيا مقيدا , بل مجتهدا طليقا , ينظر الى الشريعة من افق واسع . وقد تجلى هذا في مواضع كثيرة , تحتاج الى دراسة خاصة , تصلح لاطروحة جامعية .

    العوارض التي تنقل السماع المباح الى الحرمة :

    ذكر الغزالي عوارض خمسة تجعل السماع المباح محظورا , تتحدد فيما يلي :

    1. عارض في المسمع بان يكون امراة لا يحل النظر اليها , وتخشى الفتنة من سماعها . والحرمة فيه لخوف الفتنة لا لذات الغناء .
    ورجح الغزالي قصر التحريم على مظنة خوف الفتنة .. وايد ذلك بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة , اذ يعلم انه صلى الله عليه وسلم كان يسمع اصواتهما , ولم يحترز منه . ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه , فلذلك لم يحترز . فاذن يختلف هذا باحوال المراة , واحوال الرجل في كونه شابا وشيخا , ولا يبعد ان يختلف الامر في مثل هذا بالاحوال , فانا نقول : للشيخ ان يقبل زوجته , وهو صائم , وليس للشاب ذلك .

    2. عارض في الالة بان تكون من شعار اهل الشرب او المخنثين , وهي : المزامير والاوتار وطبل الكوبة . فهذه ثلاثة انواع ممنوعة , وما عدا ذلك يبقى على اصل الاباحة , كالدف , وان كان فيه الجلاجل , وكالطبل والشاهين , والضرب بالقضيب وسائر الالات .

    3. عارض في نظم الصوت , وهو الشعر , فان كان فيه شئ من الخنا والفحش والهجر , او ما هو كذب على الله تعالى وعلى رسوله , او على الصحابة , كما رتبه الروافض في هجاء , الصحابة وغيرهم , فسماع ذلك حرام , بالحان وغير الحان , والمستمع شريك للقائل . وكذلك ما فيه وصف امراة بعينها , فانه لا يجوز وصف المراة بين يدي الرجال . . فاما التشبيب بوصف الخدود والقد والقامة . . وسائر اوصاف النساء , فالصحيح انه لا يحرم نظمه وانشاده, بلحن وبغير لحن , وعلى المستمع الا ينزله على امراة معينة , فان نزله فلينزله على
    من تحل له , فان نزله على اجنبية , فهو العاصي بالتنزيل , واجالة الفكر فيه . ومن هذا وصفه , فينبغي ان يجتنب السماع راسا . . .

    4. عارض في المستمع , وهو ان تكون الشهوة غالبة عليه , وكان في غرة الشباب , وكانت هذه الصفة اغلب عليه من غيرها , فالسماع حرام عليه , سواء غلب على قلبه حب شخص معين ام لم يغلب , فانه كيفما كان , فلا يسمع وصف الصدغ والخد , والفراق والوصال , الا ويحرك ذلك شهوته , وينزله على صورة معينة , ينفخ الشيطان بها في قلبه , فتشتعل نار الشهوة , وتمتد بواعث الشر . .

    5. ان يكون الشخص من عوام الخلق , ولم يغلب عليه حب الله تعالى , فيكون السماع له محبوبا , ولا غلبت عليه شهوة , فيكون في حقه محظورا , ولكنه ابيح في حقه كسائر انواع اللذات المباحة , الا انه اذا اتخذه ديدنه وهجيراه , وقصر عليه اكثر اوقاته , فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته , فان المواظبة على اللهو جناية , وكما ان الصغيرة بالاصرار والمداومة تصير كبيرة , فكذلك بعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة . . . ومن هذا القبيل : اللعب بالشطرنج , فانه مباح , ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة . . وما كل مباح يباح كثيره . بل الخبز مباح , والاستكثار منه حرام , كسائر المباحات .
    ويلاحظ في هذه العوارض التي ذكرها الغزالي : انه اعتبر الاوتار والمزامير من عوارض التحريم , بناء على ان الشرع ورد بالمنع منها .
    وقد اجتهد في تعليل هذا المنع , فابدع واجاد في التعليل والتفسير , اذ قال :
    ان الشرع لم يمنع منها للذاتها ؛ اذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الانسان , ولكن حرمت الخمور , واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها , حتى انتهى الامر في الابتداء الى كسر الدنان , فحرم معها كل ما هو من شعار اهل الشرب , وهى الاوتار والمزامير فقط , وكان تحريمها من قبل الاتباع , كما حرمت الخلوة بالاجنبية ؛ لانها مقدمة الجماع , وحرم النظر الى الفخذ , لاتصاله بالسواتين , وحرم قليل الخمر , وان كان لا يسكر؛ لانه يدعو الى السكر , وما من حرام الا وله حريم يطيف به , وحكم الحرمة ينسحب على حريمه , ليكون حمى للحرام ووقاية له , وخطارا مانعا حوله .
    فهي ( اي الاوتار والمزامير ) محرمة تبعا لتحريم الخمر لثلاث علل :
    احداها : انها تدعو الى شرب الخمر , فان اللذات الحاصلة بها انما تتم بالخمر . . .
    الثانية : انها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الانس بالشرب . . . والذكر سبب انبعاث الشوق , وهو سبب الاقدام . . .
    الثالثة : الاجتماع عليها , لما ان صار من عادة اهل الفسق , فيمنع من التشبه بهم ؛ لان من تشبه بقوم فهو منهم . . .
    وبعد كلام وتحليل جيد , قال الغزالي : وبهذا نتبين انه ليست العلة في تحريمها : مجرد اللذة الطيبة , بل القياس تحليل الطيبات كلها ,الا ما في تحليله فساد . قال الله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ؟ .
    ورحم الله الامام الغزالي , فالحقيقة : انه لم يرد نص صحيح الثبوت صريح الدلالة , يمنع من هذه الاوتار والمزامير كما ظن , ولكنه - رضى الله عنه - اخذ الاحاديث المروية في الموضوع قضية مسلمة , ثم حاول تفسيرها بما ذكرناه , ولو عرف وهن اسانيد المرويات في هذا الامر , ما جشم نفسه عناء هذا التعليل . وهو على كل حال تعليل مفيد لمن لا يسلم بضعف هذه الاحاديث .










    انتهى كلام القرضاوي وفقه الله. الرجل بسط القول في الموضوع ، وكم نحن بحاجة الى عالم مثل القرضاوي يخاطب فينا العقول ويحترم ذواتنا ولا يمارس الوصاية علينا.

    اتمنى لكم وقتا ممتعا في قراءة هذا الموضوع... رايته مفيدا جدا فاحببت ان تشاركوني قراءته.

    لكم كل الود... وان كان هناك كلمة شكر فقدموها للقرضاوي من خلال هذا المتصفح فما انا الا ناقل.

    يومكم قراءة مااتعة



    تحياتي



    منقوووول

الدورات التدريبية جامعة نجران
يشرفنا اعجابك على فيس بوك facebook