مشاهدة : 16317
النتائج 1 إلى 2 من 2

###### .... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل ######

.... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل -------------------------------------------------------------------------------- يا جماعة القرضاوي هذا عالم بالفعل. بدأت أقرأ للرجل بعد أن سمعت وقرأت عن سعة أفقه

  1. #1
    صورة AL-SINANI
    AL-SINANI غير متصل يمون على المشاغبين والمشاغبات
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    ~*¤ô§ô¤*~ سلطنة عُمان / صور العفية ~*¤ô§ô¤*~
    المشاركات
    1,655
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    Rep Power
    8

    مهم ###### .... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل ######

    .... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل





    --------------------------------------------------------------------------------





    يا جماعة القرضاوي هذا عالم بالفعل. بدأت أقرأ للرجل بعد أن سمعت وقرأت عن سعة أفقه وعدم تضييقه على الناس.

    هنا القرضاوي يفصل القول في الغناء ... وله رأي حول (لهو الحديث) اللي صجونا فيها بعض مشايخنا ، وله رأي حول حديث (الحر والحرير والمغازف) ، الحديث طلع .......

    يا الله جاهزين للقراءة؟؟ وإلا ما وراكم إلا الدجة؟؟






















    ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟

    لقد تبين لنا فيما ذكرناه من خلال النصوص : عناية الإسلام بالجمال , وحرصه على تربية تلك الحاسة التي تجعل الإنسان يشعر بالجمال ويتذوقه في مجالاته المتنوعة .
    ومن الجمال ما يتجلى لحاسة السمع , ومنه ما يتجلى لحاسة البصر , ومنه ما يتجلى لحواس أخرى .
    ونريد هنا أن نتحدث عن « الجمال المسموع » وبعبارة أخرى : عن الغناء سواء أكان بآلة موسيقية أم بغير آلة , ويلزمنا أن نجيب عن هذا السؤال الكبير : ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟

    ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟

    سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيان شتى .
    سؤال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه , واختلف سلوكهم تبعا لاختلاف أجوبتهم, فمنهم من يفتح أذنيه لكل نوع من أنواع الغناء , ولكل لون من ألوان الموسيقى مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي أباح الله لعباد .
    ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا : إن الغناء مزمار الشيطان , ولهو الحديث ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وخاصة إذا كان المغني امرأة , فالمرأة -عندهم - صوتها عورة بغير الغناء , فكيف بالغناء ؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال .
    ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى , حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار .
    ووقف فريق ثالث متردداً بين الفريقين ؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة , والى أولئك طورا , ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير , الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية , وخصوصا بعد أن دخلت الإذاعة - المسموعة والمرئية - على الناس بيوتهم , بجدها وهزلها , وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعا وكرها .
    والغناء بآلة - أي مع الموسيقى - وبغير آلة : مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى , فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخرى .
    اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية , إذ الغناء ليس إلا كلاما , فحسنه حسن , وقبيحه قبيح , وكل قول يشتمل على حرام فهو حرام , فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟
    واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة , وذلك في مواطن السرور المشروعة , كالعرس وقدوم الغائب , وأيام الأعياد . . . ونحوها , بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها .
    وقد وردت في ذلك نصوص صريحة - سنذكرها فيما بعد .
    واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا بينا : فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة , بل اعتبره مستحبا , ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة , ومنهم من منعه منعا باتاً بآله وبغير آلة , وعده حراما , بل ربما ارتقى به إلى درجة « الكبيرة » .
    ولأهمية الموضوع نرى لزاما علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل , ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة , حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام , متبعا للدليل الناصع , لا مقلدا قول قائل , وبذلك يكون على بينة من أمره , وبصيرة من دينه .






    الأصل في الأشياء الإباحة

    قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) , ولا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى , أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع ثابت متيقن , فإذا لم يرد نص ولا إجماع . أو ورد نص صريح غير صحيح , أو صحيح غير صريح , بتحريم شئ من الأشياء , لم يؤثر ذلك في حله , وبقى في دائرة العفو الواسعة , قال تعالى : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) .
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أحل الله في كتابه فهو حلال , وما حرم فهو حرام , وما سكت عنه فهو عفو , فاقبلوا من الله عافيته , فإن الله لم يكن لينسى شيئاً » , وتلا : (وما كان ربك نسياً ) ( رواه الحاكم عن أبى الدرداء وصححه , وأخرجه البزار ) .
    وقال : « إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها, وحد حدوداً فلا تعتدوها , وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ( أخرجه الدارقطنى عن أبي ثعلبة الخشنى . وحسنه الحافظ أبو بكر السمعانى في أماليه , والنووي في الأربعين ) .
    وإذا كانت هذه هي القاعدة فما هي النصوص والأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء , وما موقف المجيزين منها ؟








    أدلة المحرمين للغناء ومناقشتها

    ( أ ) استدل المحرمون بما روى عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً , أولئك لهم عذاب مهين ) وفسروا لهو الحديث بالغناء .
    قال ابن حزم : ولا حجة في هذا لوجوه :
    أحدها : أنه لا حجه لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    والثاني : أنه قد خالف غيرهم من الصحابة والتابعين .
    والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ! لأن فيها : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) وهذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف , إذا اتخذ سبيل الله هزواً . قال :
    « ولو أن امرءاً اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله , ويتخذه هزواً , لكان كافراً ؛ فهذا هو الذي ذم الله تعالى , وما ذم قط - عز وجل - من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه , لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بقول هؤلاء , وكذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن , أو بقراءة السنن , أو بحديث يتحدث به , أو بغناء أو بغير ذلك , فهو فاسق عاص لله تعالى, ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن » .
    ( ب ) واستدلوا بقوله تعالى في مدح المؤمنين : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) , والغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه .
    ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك , وبقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) , فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) .
    ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه , وليس فيها ما يوجب ذلك .
    وكلمة « اللغو » ككلمة « الباطل » تعنى ما لا فائدة فيه , وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقا , أو يشغل من واجب .
    روى عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات : لأنه شبيه باللغو , قال تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) .
    قال الإمام الغزالي : « إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم , والمخالفة فيه - مع أنه لا فائدة فيه - لا يؤاخذ به , فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص » ؟! .
    على أننا نقول : ليس كل غناء لغواً : إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه , فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة , والمزح طاعة , والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء : « إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » .
    وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في « المحلى » رداً على الذين يمنعون الغناء قال : « احتجوا فقالوا : من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث , وقد قال الله تعالى : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) فجوابنا - وبالله التوفيق - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله فهو فاسق , وكذلك كل شئ غير الغناء , ومن نوى به ترويح نفسه , ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل , وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن , وفعله هذا من الحق . ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه , كخروج الإنسان إلى بستانه , وقعوده على باب داره متفرجا , وصبغه ثوبه لازوردياً أو أخضر أو غير ذلك , ومد ساقه وقبضها , وسائر أفعاله .
    ( ج ) واستدلوا بالحديث : « كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله , وتأديبه فرسه , ورميه عن قوسه » ( رواه أصحاب السلف الأربعة , وفيه اضطراب ) . . والغناء خارج عن هذه الثلاثة .
    وأجاب المجوزون بضعف الحديث , ولو صح لما كان فيه حجة , فإن قوله : « فهو باطل » لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة . فقد ورد عن أبى الدرداء قوله : « إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق . على أن الحصر في الثلاثة غير مراد , فإن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة , وقد ثبت في الصحيح . ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور , وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل , لا يحرم عليه شئ منها وان جاز وصفه بأنه باطل .
    ( د ) واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري - معلقا - عن أبى مالك أو أبى عامر الأشعري - شك من الراوي - عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف » . والمعازف : الملاهي, أو آلات العزف .
    والحديث وان كان في صحيح البخاري , إلا أنه من « المعلقات » لا من « السندات المتصلة » ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده , ومع التعليق فقد قالوا : إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب .
    وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث , ووصله بالفعل من تسع لحرق , ولكنها جميعا تدور على راو تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد , ألا وهو : هشام ابن عمار . وهو - وان كان خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها وعالمها , ووثقه ابن معين والعجلى - فقد قال عنه أبو داود : حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها .
    وقال أبو حاتم : صدوق وقد تغير , فكان كل ما دفع إليه قرأه , وكل ما لقنه تلقن . وكذلك قال ابن سيار .
    وقال الإمام أحمد : طياش خفيف .
    وقال النسائي : لا بأس به ( وهذا ليس بتوثيق مطلق ) .
    ورغم دفاع الحافظ الذهبي عنه قال : صدوق مكثر له ما ينكر. وأنكروا عليه أنه لم يكن يحدث إلا بأجر !
    ومثل هذا لا يقبل حديثه في مواطن النزاع , وخصوصا في أمر عمت به البلوى .
    ورغم ما في ثبوته من الكلام , ففي دلالته كلام آخر ! فكلمة « المعازف » لم يتفق على معناها بالتحديد : ما هو ؟ فقد قيل : الملاهي , وهذه مجملة , وقيل : آلات العزف .
    ولو سلمنا بأن معناها : آلات الطرب المعروفة بآلات الموسيقى . فلفظ الحديث المعلق في البخاري غير صريح في إفادة حرمة « العازف » لأن عبارة « يستحلون » كما ذكر ابن العربي لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال , والثاني : أن تكون مجازاً عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور ! إذ لو كان المقصود بالاستحلال : المعنى الحقيقي , لكان كفراً , فإن استحلال الحرام المقطوع به - مثل الخمر والزنى المعبر عنه ب « الحر » - كفر بالإجماع .
    ولو سلمنا بدلالتها على الحرمة , فهل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر والحرير والخمر والمعازف , أو كل فرد منها على حدة ؟ والأول هو الراجح . فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس : انغمسوا في الترف والليالي الحمراء , وشرب الخمور . فهم بين خمر ونسا ء , ولهو وغناء , وخز وحرير . ولذا روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبى مالك الأشعري بلفظ : « ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها , يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات , يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير » , وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه , والبخاري في تاريخه .
    وكل من روى الحديث من طريق غير طريق هشام بن عمار , جعل الوعيد على شرب الخمر , وما المعازف إلا مكملة وتابعة .
    ( ه ) واستدلوا بحديث عائشة : « إن الله تعالى حرم القينة ( أي الجارية ) وبيعها وثمنها , وتعليمها » .
    والجواب عن ذلك :
    أولا : أن الحديث ضعيف , وكل ما جاء في تحريم بيع القيان ضعيف .
    ثانيا : قال الغزالي : المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب , وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام , وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محذور . فأما غناء الجارية لمالكها , فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث . بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة , بدليل ما روى في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضى الله تعالى عنها, وسيأتي .




    تابع أدلة المحرمين ومناقشتها:


    ثالثا : كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصراًَ هاماً من نظام الرقيق , الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيا , فلم يكن يتفق وهذه الحكمة : إقرار بقا ء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي , فإذا جاء حديث بالنعي على امتلاك « القينة » وبيعها , والمنع منه , فذلك لهدم ركن من بناء « نظام الرق » العتيد .
    ( و ) واستدلوا بما روى نافع : أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع إصبعيه في أذنيه , وعدل راحلته عن الطريق , وهو يقول : يا نافع , أتسمع ؟ فأقول : نعم , فيمضى , حتى قلت : لا . فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال : « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا ( رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ) .
    والحديث قال عنه أبو داود : حديث منكر .
    ولو صح لكان حجة على المحرمين لا لهم . فلو كان سماع المزمار حراما ما أباح النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر سماعه , ولو كان عند ابن عمر حراما ما أباح لنافع سماعه , ولأمر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر , فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر دليل على أنه حلال .
    وإنما تجنب - عليه السلام - سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئا وأن يبيت عنده دينار أو درهم . . . . الخ .
    ( ز ) واستدلوا أيضا بما روى : « إن الغناء ينبت النفاق في القلب » ولم يثبت هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم , وإنما ثبت قولا لبعض الصحابة أو التابعين , فهو رأى لغير معصوم خالفه فيه غيره . فمن الناس من قال - وبخاصة الصوفية - : إن الغناء يرقق القلب , ويبعث الحزن والندم على المعصية , ويهيج الشوق إلى الله تعالى , ولهذا اتخذوه وسيلة لتجدد نفوسهم , وتنشيط عزائمهم , وإثارة أشواقهم . قالوا : وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق والتجربة والممارسة , ومن ذاق عرف , وليس الخبر كالعيان .ا
    على أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع , إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه على غيره , ويروج صوته عليه , ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه . ومع هذا قال الغزالي : وذلك لا يوجب تحريما , فإن لبس الثياب الجميلة , وركوب الخيل المهملجة , وسائر أنواع الزينة , والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك , ينبت النفاق في القلب , ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله , فليس السبب في ظهور النفاق في القلب : المعاصي , بل إن المباحات , التي هي مواقع نظر الخلق , أكثر تأثيرا.
    ( ح ) واستدلوا على تحريم غناء المرأة خاصة , بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة . وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله على أن صوت المرأة عورة , وقد كان النساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملأ من أصحابه , وكان الصحابة يذهبون إلى أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم , ولم يقل أحد : إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر . مع أن نساء النبي عليهن من التغليظ ما ليس على غيرهن . وقال تعالى : ( وقلن قولا معروفا ).
    فإن قالوا : هذا في الحديث العادي لا في الغناء , قلنا : روى الصحيحان أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما , وقال لأبى بكر : دعهما . وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين .
    ( ط ) واستدلوا بحديث الترمذي عن علي مرفوعاً : « إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة , هل بها البلاء… » , وذكر منها : « واتخذت القينات والمعازف » , والحديث متفق على ضعفه , فلا حجة فيه .
    والخلاصة : أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح , أو صريح غير صحيح . ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله يصلح دليلاً للتحريم , وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية .
    قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شئ .
    وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة .
    وقال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .
    وقال ابن حزم : ولا يصح في هذا الباب شئ , وكل ما فيه فموضوع . ووالله لو أسند جميعه , أو واحد منه فاكثر , من طريق الثقات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , لما ترددنا في الأخذ به .








    أدلة المجيزين للغناء

    أدلة المجيزين للغناء :

    تلك هي أدلة المحرمين , وقد سقطت واحدا بعد الآخر , ولم يقف دليل منها على قدميه . وإذا انتفت أدلة التحريم بقى حكم الغناء على أمل الإباحة بلا شك , ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سقوط أدلة التحريم . فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة , وروحه السمحة , وقواعده العامة , ومبادئه الكلية ؟
    وهاك بيانها :
    أولاً - من حيث النصوص :
    استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة , منها : حديث غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة , وانتهار أبى بكر لهما , وقوله : مزمار الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم , وهذا يدل على أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم , فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبى بكر إلى هذا الحد .
    والمعول عليه هنا هو رد النبي صلى الله عليه وسلم على أبى بكر رضى الله عنه وتعليله : أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة , وأنه بعث بحنيفية سمحة . وهو يدل على وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدى الآخرين , وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه .
    وقد روى البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يا عائشة , ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو » .
    وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال : أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار , فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ‹« أهديتم الفتاة » ؟ قالوا : نعم . قال : « أرسلتم معها من يغنى » ؟ قالت : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الأنصار قوم فيهم غزل , فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟!
    وهذا الحديث يدل على رعاية أعراف الأقوام المختلفة , واتجاههم المزاجي , ولا يحكم المرء مزاجه هو في حياة كل الناس .
    وروى النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال : دخلت على قرظة بن كعب وأبى مسعود الأنصاري في عرس , وإذا جوار يغنين . فقلت : أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! فقالا : اجلس إن شئت فاستمع معنا , وان شئت فاذهب , فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس .
    وروى ابن حزم بسند« عن ابن سيرين : أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتى عبد الله ابن جعفر فعرضهن عليه , فأمر جارية منهن فغنت , وابن عمر يسمع , فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة , ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن , غبن بسبعمائة درهم ! فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم , فإما أن تعطيها إياه , وإما أن ترد عليه بيعه , فقال : بل نعطيه إياها . قال ابن حزم : فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية , وهذا إسناد صحيح , لا تلك الملفقات الموضوعة .
    واستدلوا بقوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما , قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة , والله خير الرازقين ) .
    فقرن اللهو بالتجارة - وهى حلال بيقين - , ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما - بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحا بها - من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم , وتركه قائما .
    واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم : أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه وهم القوم يقتدى بهم فيهتدى . واستدلوا بما نقله غير واحد من الإجماع على إباحة السماع , كما سنذكره بعد .

    وثانياً من حيث روح الإسلام وقواعده :
    ( أ ) لا شئ في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس , وتستطيبها العقول , وتستحسنها الفطر , وتشتهيها الأسماع , فهو لذة الأذن , كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة , والمنظر الجميل لذة العين , والرائحة الذكية لذة الشم …. الخ , فهل الطيبات - أي المستلذات - حرام في الإسلام أم حلال ؟
    من المعروف أن الله تعالى كان قد حرم على بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم على سوء ما صنعوا , كما قال تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) , فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم جعل عنوان رسالته في كتب الأولين أنه : ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) . فلم يبق في الإسلام شيء طيب - أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة - إلا أحله الله , رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها . قال تعالى : ( يسألونك ماذا أحل لهم , قل أحل لكم الطيبات ) .
    ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئاً من الطيبات مما رزق الله , مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه , فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده , وليس من شأن عباده, قال تعالى : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءآلله أذن لكم , أم على الله تفترون ) , وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات , كلاهما يجلب سخط الله وعذابه , ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين , والضلال البعيد , قال جل شأنه ينعى على من فعل ذلك من أهل الجاهلية : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله , قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) .
    ( ب ) ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية , حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه , وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه . ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم . بل نقول : إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في الإحياء : « من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال , بعيد عن الروحانية , زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم , إذ الجمل - مع بلادة طبعه - يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة , ويستقصر - لقوة نشاطه في سماعه - المسافات الطويلة , وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه . فترى الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها , وتصغي إليه ناصبة آذانها , وتسرع في سيرها , حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها » .
    وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟ كلا , إنما جاء لتهذيبها والسمو بها , وتوجيهها التوجيه القويم . قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها .
    ومصداق ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما , فقال : « ما هذان اليومان »؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهلية . فقال عليه السلام : « إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما : يوم الأضحى ويوم الفطر » ( رواه أحمد وأبو داود والنسائي ) .
    وقالت عائشة : « لقد رأيت النبي يسترني بردائه , وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد , حتى أكون أنا التي أسأمه - أي اللعب - فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو » .
    وإذا كان الغناء لهواً ولعبا فليس اللهو واللعب حراما , فالإنسان لا صبر له على الجد المطلق والصرامة الدائمة .
    قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة - حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده , وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا حنظلة , ساعة وساعة » (رواه مسلم ) .
    وقال علي بن أبى طالب : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة , فإن القلوب إذا أكرهت عميت .
    وقال كرم الله وجهه : إن القلوب تمل كما تمل الأبدان , فابتغوا لها طرائف الحكمة .
    وقال أبو الدرداء : إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لها على الحق .
    وقد أجاب الإمام الغزالي ممن قال : إن الغناء لهو ولعب بقوله : « هو كذلك , ولكن الدنيا كلها لهو ولعب . . . وجميع المداعبة مع النساء لهو , إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد , كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال , نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة .
    وأي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم , فقد ثبت بالنص إباحته . على أني أقول : اللهو مروح القلب , ومخفف أعباء الفكر , والقلوب إذا أكرهت عميت , وترويحها إعانة لها على الجد , فالمواظب على التفقه مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة : لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام , والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يعطل في بعض الأوقات , ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات , فالعطلة معونة على العمل , واللهو معين على الجد , ولا يصبر على الجد المحض , والحق المر , إلا نفوس الأنبياء , عليهم السلام .
    فاللهو دواء , القلب من داء الإعياء والملال , فينبغي أن يكون مباحاً , ولكن لا ينبغي أن يستكثر , كما لا يستكثر من الدواء. فإذن اللهو على هذه النية يصير قربه , هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها , بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة , فينبغي أن يستحب له ذلك , ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه . نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال , فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق , ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين , ومن أحاط بعلم علاج القلوب , ووجوه التلطف بها , وسياقاتها إلى الحق , علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه » . . انتهى كلام الغزالي , وهو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحق .










    القائلون بإجازة الغناء

    القائلون بإجازة الغناء :

    تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده , فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل , ولم يذهب إلى ذلك فقيه , فكيف وقد قال بموجبها الكثيرون من صحابة وتابعين وأتباع وفقهاء ؟
    وحسبنا أن أهل المدينة - على ورعهم - والظاهرية - على حرفيتهم وتمسكهم بظواهر النصوص - والصوفية - على تشددهم وأخذهم بالعزائم دون الرخص - روى عنهم إباحة الغناء .
    قال الإمام الشوكاني في « نيل الأوطار » : « ذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر , وجماعة الصوفية , إلى الترخيص في الغناء , ولو مع العود واليراع » .
    وحكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع : أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأساً , ويصوغ الألحان لجواريه , ويسمعها منهن على أوتاره . وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضى الله عنه .
    وحكى الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضا عن القاضي شريح , وسعيد بن المسيب , وعطاء بن أبى رباح , والزهرى , والشعبى .
    وقال إمام الحرمين في النهاية , وابن أبي الدنيا : نقل الأثبات من المؤرخين : أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات , وأن ابن عمر دخل إليه والى جنبه عود , فقال : ما هذا يا صاحب رسول الله ؟.ا فناوله إياه , فتأمله ابن عمر فقال : هذا ميزان شامي ؟ قال ابن الزبير : يوزن به العقول !
    وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته في السماع بسنده إلى ابن سيرين قال : « إن رجلاً قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر , وفيهن جارية تضرب . فجاء رجل فساومه , فلم يهو فيهن شيئا . قال : انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا . قال : من هو ؟ قال : عبد الله بن جعفر . . فعرضهن عليه , فأمر جارية منهن , فقال لها : خذي العود , فأخذته , فغنت , فبايعه ثم جاء إلى ابن عمر . . . . إلى آخر القصة .
    وروى صاحب « العقد » العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي : أن عبد الله بن عمر دخل على ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود , ثم قال لابن عمر : هل ترى بذلك بأساً ؟ قال : لا بأس بهذا .
    وحكى الماوردى عن معاوية وعمرو بن العاص : أنهما سمعا العود عند ابن جعفر .
    وروى أبو الفرج الأصبهانى : أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره .
    وذكر أبو العباس المبرد نحو ذلك . والمزهر عند أهل اللغة : العود .
    وذكر الأدفوى : أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة . ونقل ابن السمعانى الترخيص عن طاووس , ونقله ابن قتيبة وصاحب « الإمتاع » عن قاضى المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين . ونقله أبو يعلى الخليلى في « الإرشاد » عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة .
    وحكى الرويانى عن القفال : أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف , وحكى الأستاذ أبو منصور الفورانى عن مالك جواز العود , وذكر أبو طالب المكي في « قوت القلوب » عن شعبة : أنه سمع طنبوراً في بيت المنهال بن عمرو المحدث المشهور .
    وحكى أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في « السماع » : أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود .
    قال ابن النحوي في « العمدة » : وقال ابن طاهر : هو إجماع أهل المدينة .
    قال ابن طاهر : واليه ذهبت الظاهرية قاطبة . قال الأدفوى : لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر , وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم ( يعنى بالجماعة : أصحاب الكتب الستة , من الصحيحين والسنن ) .
    وحكى الماوردى إباحة العود عن بعض الشافعية , وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن أبى إسحاق الشيرازي , وحكاه الأسنوى في « المهمات » عن الرويانى والماوردى , ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبى منصور , وحكاه ابن الملقن في « العمدة » عن ابن طاهر , وحكاه الأدفوى عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام , وحكاه صاحب « الإمتاع » عن أبى بكر بن العربي , وجزم بالإباحة الأدفوى .
    هؤلاء جميعا قالوا بتحليل السماع , مع آلة من الآلات المعروفة - أي آلات الموسيقى .
    وأما مجرد الغناء من غير آلة , فقال الأدفوى في « الإمتاع » : إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق على حله , ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه , ونقل التاج الفزارى وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه , ونقل ابن طامر وابن قتيبة أيضا إجماع أهل المدينة عليه , وقال الماوردى : لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيها بالعبادة والذكر .
    قال ابن النحوي في « العمدة » : وقد روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين , فمن الصحابة عمر - كما رواه ابن عبد البر وغير- وعثمان - كما نقله الماوردى وصاحب البيان والرافعى - وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبى شيبة - وأبو عبيدة بن الجراح - كما أخرجه البيهقى- وسعد بن أبى وقاص - كما أخرجه ابن قتيبة - وأبو مسعود الأنصاري - كما أخرجه البيهقى - وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد - كما أخرجه البيهقى أيضا - وحمزة كما في الصحيح - وابن عمر - كما أخرجه ابن طاهر - والبراء بن مالك - كما أخرجه أبو نعيم - وعبد الله بن جعفر - كما رواه ابن عبد البر - وعبد الله بن الزبير - كما نقل أبو طالب المكى - وحسان - كما رواه أبو الفرج الأصبهانى - وعبد الله بن عمرو - كما رواه الزبير بين بكار - وقرظة بن كعب - كما رواه ابن قتيبة - وخوات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني - والمغيرة بن شعبة - كما حكاه أبو طالب المكى- وعمرو بن العاص - كما حكاه الماوردى - وعائشة والربيع - كما في صحيح البخاري وغيره .
    وأما التابعون فسعيد بن المسيب , وسالم بن عبد الله بن عمر , وابن حسان , وخارجة بن زيد , وشريح القاضى , وسعيد بن جبير , وعامر الشعبي , وعبد الله ابن أبى عتيق , وعطاء بن أبى رباح , ومحمد بن شهاب الزهري , وعمر بن عبد العزيز , وسعد بن إبراهيم الزهري .
    وأما تابعوهم , فخلق لا يحصون , منهم : الأئمة الأربعة , وابن عيينة , وجمهور الشافعية ». انتهى كلام ابن النحوي . هذا كله ذكره الشوكانى في « نيل الأوطار »

  2. #2
    صورة AL-SINANI
    AL-SINANI غير متصل يمون على المشاغبين والمشاغبات
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    ~*¤ô§ô¤*~ سلطنة عُمان / صور العفية ~*¤ô§ô¤*~
    المشاركات
    1,655
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    Rep Power
    8

    مهم رد: ###### .... القرضاوي .... حكم الغناء بالتفصيل ######

    قيود وشروط لا بد من مراعاتها

    قيود وشروط لا بد من مراعاتها :

    ولا ننسى أن نضيف إلى هذا الحكم : قيوداً لا بد من مراعاتها في سماع الغناء :
    1. نؤكد ما أشرنا إليه أنه ليس كل غناء مباحاً , فلا بد أن يكون موضوعه متفقاً مع أدب الإسلام وتعاليمه .
    فلا يجوز التغني بقول أبى نواس :

    دع عنك لومي , فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء !

    ولا بقول شوقي :

    رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق

    وأخطر منها : قول إيليا أبى ماضي في قصيدته « الطلاسم » :

    جئت لا أعلم من أين , ولكني أتيت !

    ولقد أبصرت قدامى طريقاً فمشيت !

    كيف جئت ا كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدرى !

    لأنها تشكيك في أصول الإيمان : المبدأ , والمعاد , والنبوة .
    ومثلها : ما عبر عنه بالعامية في أغنية « من غير ليه » ا وليست أكثر من ترجمة شك أبى ماضي إلى العامية , ليصبح تأثيرها أوسع دائرة .
    ومثل ذلك الأغنية التي تقول : « الدنيا سيجارة وكاس » . فكل هذه مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجساً من عمل الشيطان , ويلعن شارب « الكاس » وعاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل . والتدخين أيضا آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم والنفس والمال .
    والأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا , مخالفة لتعاليم الإسلام , الذي يلعن الظالمين , وكل من يعينهم , بل من يسكت عليهم , فكيف بمن يمجدهم ؟ا
    والأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة أو صاحبة العيون الجريئة أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ….. ) , ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) , ويقول صلى الله عليه وسلم : « يا علي , لا تتبع النظرة النظر» , فإن لك الأولى وليست لك الآخرة».
    2. ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها , فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه , ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول , وتعمد الإثارة , والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة , وإغراء القلوب المريضة ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلى دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع على الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تلح على جانب واحد , هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام , وإشعالها بكل أساليب الإثارة والتهيج , وخصوصا لدى الشباب والشابات .
    إن القرآن يخاطب نساء النبي فيقول : ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) . فكيف إذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتأثير .
    3. ومن ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم , كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء , بلا قيود ولا حدود , وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم . وهى الصورة الماثلة في الأذهان عندما يذكر الغناء , وبخاصة غناء الجواري والنساء .
    وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجه وغيره : « ليشربن ناس من أمتي الخمر , يسمونها بغير اسمها , يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات , يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير » .
    وأود أن أنبه هنا على قضية مهمة , وهى : أن الاستماع إلى الغناء في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء , ومخالطة المغنيين والمغنيات وحواشيهم , وقلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع , ويكرهها الدين .
    أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلى الأغاني وهو بعيد عن أهلها ومجالسها , وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية , ويميل بها إلى جانب الإذن والتيسير .
    4. الغناء - ككل المباحات - يجب أن يقيد بعدم الإسراف فيه , وبخاصة الغناء , العاطفي , الذي يتحدث عن الحب والشوق , فالإنسان ليس عاطفة فحسب , والعاطفة ليست حبا فقط , والحب لا يختص بالمرأة وحدها , والمرأة ليست جسدا وشهوة لا غير , لهذا يجب أن نقلل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية , وأن يكون لدينا من أغانينا وبرامجنا وحياتنا كلها توزيع عادل , وموازنة مقسطة بين الدين والدنيا , وفى الدنيا بين حق الفرد وحقوق المجتمع , وفى الفرد بين عقله وعاطفته , وفى مجال العاطفة بين العواطف الإنسانية كلها من حب وكره وغيرة وحماسة وأبوة وأمومة وبنوة واخوة وصداقة . . . الخ , فلكل عاطفة حقها.
    أما الغلو والإسراف والمبالغة في إبراز عاطفة خاصة , فذلك على حساب العواطف الأخرى , وعلى حساب عقل الفرد وروحه وإرادته , وعلى حساب المجتمع وخصائصه ومقوماته , وعلى حساب الدين ومثله وتوجيهاته .
    إن الدين حرم الغلو والإسراف في كل شئ حتى في العبادة , فما بالك بالإسراف في اللهو , وشغل الوقت به ولو كان مباحا ؟!
    إن هذا دليل على فراغ العقل والقلب من الواجبات الكبيرة , والأهداف العظيمة , ودليل على إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود وعمره القصير , وما أصدق وأعمق ما قال ابن المقفع : « ما رأيت إسراف إلا وبجانبه حق مضيع » , وفي الحديث : « لا يكون العاقل ظاعناً إلا لثلاث : مرمة لمعاش , أو تزود لمعاد , أو لذة في غير محرم » , فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط , ولنعلم أن الله سائل كل إنسان عن عمره : فيم أفناه , وعن شبابه : فيم أبلاه ؟
    5. وبعد هذا الإيضاح تبقى هناك أشياء يكون كل مستمع فيها فقيه نفسه ومفتيها , فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزته , ويغريه بالفتنة , ويسبح به في شطحات الخيال , ويطغى فيه الجانب الحيواني على الجانب الروحاني , فعليه أن يتجنبه حينئذ , ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه , فيستريح ويريح .











    الغناء والطرب في واقع المسلمين

    الغناء والطرب في واقع المسلمين :

    ومن نظر في أحوال المسلمين , وتأمل في واقعهم المعيش , لم يجد خصومة بين المسلم المتدين وبين الاستمتاع بطيب السماع .
    إن أذن المسلم العادي موصولة ب« طيبات السماع » تلتذ بها , وتتغذى عليها كل يوم .
    من خلال القرآن الكريم الذي تسمعه مرتلا ومجودا ومزينا بأحسن الأصوات , من أحسن القراء .
    ومن خلال الأذان , الذي تطرب لسماعه كل يوم خمس مرات بالصوت الجميل . وهو ميراث من عهد النبوة , فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي كشف له عن ألفاظ الأذان في رؤيا صادقة : علمه بلالا , فإنه أندى منك صوتاً .
    ومن خلال الابتهالات الدينية , التي تنشد بأعذب الألحان , وأرق الأصوات , فتطرب لها الأفئدة , وتهتز لها الشاعر .
    ومن خلال المدائح النبوية التي توارثها المسلمون منذ سمعوا ذلك النشيد الحلو من بنات الأنصار . ترحيبا بمقدم الرسول الكريم :

    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

    وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

    وأذكر أني منذ نحو عشرين سنة سمعت هذا النشيد من تلميذات مدرسة إسلامية في إندونيسيا , يغنينه بلحن جماعي مؤثر رقيق , وكنا وفداً من دولة قطر . فرقت له قلوبنا , وسالت أدمعنا على خدودنا من فرط الرقة والتأثر .
    وفي الأعصر الماضية استطاع المسلمون أن ينشئوا لأنفسهم ألواناً من « طيبات السماع » يروحون بها أنفسهم , ويجملون بها حياتهم , وخصوصاً في القرى والريف . وقد أدركنا ذلك في عهد الصبا ومطالع الشباب . وكلها ألوان فطرية نابعة من البيئة , معبرة عن قيمها , ولا غبار عليها .
    من ذلك : فن المواويل , يتغنى بها الناس في أنفسهم , أو يجتمعون على سماعها , ممن كان حسن الصوت منهم , وأكثرهم يتحدث عن الحب والهيام والوصل والهجران , وبعضها يتحدث عن الدنيا ومتاعها , ويشكو من ظلم الناس والأيام . . . الخ .
    وأكثرهم كان يتغنى بها بغير آلة , وبعضهم مع « الأرغول » , ومن هؤلاء الفنانين الفطريين: من كان يؤلف « الموال » ويلحنه ويغنيه في وقت واحد .
    ومنها : القصص المنظومة , التي تتغنى ببطولات بعض الأبطال الشعبيين , أبطال الكفاح , أو أبطال الصبر , يسمعها الناس , فيطربون بها , ويرددونها , ويكادون يحفظونها عن ظهر قلب. مثل قصة « أدهم الشرقاوي » , و « شفيقة ومتولي » , و « أيوب المصري » , و « سعد اليتيم » وغيرها .
    ومنها : الملاحم الشعبية للأبطال المعروفين , مثل « أبى زيد الهلالي » , والتي كان يجتمع لها الناس , ليسمعوا القصة , ويستمعوا معها إلى أشعار أبطالها على نغمات « الربابة » من « الشاعر الشعبي » الذي تخصص في هذا اللون , وكانت هذه الملاحم لها عشاقها وتقوم مقام « المسلسلات » في هذا العصر .
    ومنها : أغاني الأعياد والأفراح والمناسبات السارة , مثل : العرس , وولادة المولود , وختان الصبي , وقدوم الغائب , وشفا ء المريض , وعودة الحاج . . . ونحوها .
    وقد ابتكر الناس أغاني وأهازيج لحنوها وغنوها بأنفسهم في أحوال ومناسبات مختلفة , مثل جنى الثمار أو القطن وغيرها . ومثل : أهازيج العمال والفعلة , الذين يعملون في البناء وحمل الأثقال ونحوها , مثل : « هيلا , هيلا . . صل على النبي » . . وهذا له أصل شرعي من عمل الصحابة , وهم يبنون المسجد النبوي , ويحملون أحجاره على مناكبهم . وهم ينشدون :

    اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

    حتى الأمهات , حين يهدهدن أطفالهن , ويهيئنهم للنوم , يستخدمن الغناء , ولهن كلمات مشهورة , مثل : « يارب ينام , يارب ينام . . . . » .
    ولا زلت أذكر « المسحراتية » في شهر رمضان المبارك , وهم يوقظون الناس بعد منتصف الليل بمنظومات يلذ سماعها منغمة مع دقات طبولهم .
    ومن جميل ما يذكر هنا : ما اخترعه الباعة في الأسواق , والباعة المتجولون :
    من النداء على سلعهم بعبارات منظومة موزونة . يتنافسون في التغني بها , مثل بائع العرقسوس , وباعة الفواكه والخضروات , وغيرهم .
    وهكذا نجد هذا الفن - فن الغناء - يتخلل الحياة كلها , دينية ودنيوية , ويتجاوب الناس معه بتلقائية وفطرية , ولا يجدون في تعاليم دينهم ما يعوقهم عن ذلك . ولم ير علماؤهم في هذه الألوان الشعبية ما يجب أن ينكر . بل أكثر من ذلك نجدها جميعا ممزوجة بالدين ومعاني الإيمان والقيم الروحية , والمثل الأخلاقية , امتزاج الجسم بالروح : من التوحيد وذكر الله والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وما شابهها .
    وهذا الذي لاحظته في مصر , وجدت مثله في بلاد الشام , وفى بلاد المغرب , وغيرها من بلاد العرب .










    لم شدد المتأخرون في أمر الغناء ؟

    يلاحظ أن المتأخرين من أهل الفقه أكثر تشديدا في منع الغناء - وخصوصا مع الآلات - من الفقها ء المتقدمين . وذلك لأسباب :

    الأخذ بالأحوط لا الأيسر :

    1 - إن المتقدمين كانوا أكثر أخذاً بالأيسر , والمتأخرين أكثر أخذا بالأحوط , والأحوط يعنى : الأثقل والأشد . ومن تتبع الخط البياني للفقه والفتوى منذ عهد الصحابة فمن بعدهم يجد ذلك واضحا , والأمثلة عليه لا تحصر .

    الاغترار بالأحاديث الضعيفة والموضوعة :

    2 - إن كثيراً من الفقهاء , المتأخرين أرهبهم سيل الأحاديث الضعيفة والموضوعة , التي امتلأت بها الكتب , ولم يكونوا من أهل تمحيص الروايات , وتحقيق الأسانيد , فراجت لديهم هذه الأحاديث , ولا سيما مع شيوع القول بأن تعدد الطرق الضعيفة يقوى بعضها بعضا .

    ضغط الواقع الغنائي :

    3 - ضغط الواقع الغنائي بما يلابسه من انحراف وتجاوز , كان له أثره في ترجيح المنع والتحريم . وهذا الواقع له صورتان أثرت كل واحدة منهما على جماعة من الفقهاء .

    غناء المجون والخلاعة :

    الصورة الأولى : صورة « الغناء الماجن » الذي غدا جزءا لا يتجزأ من حياة الطبقة المترفة, التي غرقت في الملذات , وأضاعت الصلوات , واتبعت الشهوات , واختلط فيها الغناء بملابسة الفجور , وشرب الخمور , وقول الزور , وتلاعب الجواري الحسان المغنيات ( القيان ) بعقول الحضور , كما شاع ذلك في حقب معروفة في العصر العباسي .
    وكان سماع الغناء يقتضي شهود هذه المجالس بما فيها من خلاعة ومجانة وفسوق عن أمر الله .
    ومن المؤسف أن البيئة الفنية - كما يسمونها اليوم - لا زالت مشربة بهذه الروح , ملوثة بهذا الوباء . وهذا ما يضطر كل عائد أو عائدة إلى الله , من الفانين والفنانات - الذين أكرمهم الله بالهداية والتوبة - أن ينسحب من ذلك الوسط , ويفر بدينه بعيداً عنه .

    غناء الصوفية :

    والصورة الثانية : صورة « الغناء الديني » الذي اتخذه الصوفية وسيلة لإثارة الأشواق , وتحريك القلوب في السير إلى الله , مثلما يفعل الحداة مع الإبل , فينشطونها ويستحثون خطاها, حين تسمع نغم الحداء الموزون بصوت جميل , فتستخف الحمل الثقيل , وتستقصر الطريق الطويل , وهم يعتبرون ذلك السماع عبادة وقربة إلى الله , أو - على الأقل - عونا على العبادة والقربة .
    وهذا ما أنكره عليهم أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية , وتلميذه الإمام ابن القيم , اللذين شنا على الغناء هجوما عنيفا حادا , وخصوصا ابن القيم في « إغاثة اللهفان » الذي شحذ كل أسلحته , وأجلب بخيله ورجله لتحريم الغناء , واضح - على غير عادته - بغير الصحيح , وغير الصريح , إذ كان نصب عينيه ذاك النوع من الغناء , وقد رأى فيه هو وشيخه أنه تقرب إلى الله بما لم يشرعه , وإحداث أمر في الدين لم يكن على عهد النبوة , ولا عهد الصحابة . وربما لابسه بعض البدع , ولا سيما إذا وقع في المساجد . أنشد ابن القيم مشنعا عليهم :

    تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق لاه ساهي !

    وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل الله !

    دف ومزمار , ونغمة شادن فمتى رأيت عبادة بملاهي ؟

    وفى بعض فتاوى ابن تيمية ما يجيز الغناء إذا كان لرفع الحرج والترويح .
























    فقه الإمام الغزالي في القضية

    وأعتقد أن موقف الإمام الغزالي من قضية الغناء , ومناقشته الفقهية العميقة لحجج القائلين بتحريم السماع , والجواب عنها بالإجابات الشافية , ونصرته لأدلة المجيزين , وتحديده للعوارض التي تعرض للسماع المباح , فتنقله إلى دائرة الحرمة .. يعتبر من أعدل المواقف المعبرة عن وسطية الشريعة , وسماحتها , وصلاحيتها لكل البيئات والأعصار .
    والحق أن فقه الغزالي في « الإحياء » - بصفة عامة - فقه تحرر من قيود المذهبية , فهو لم يعد شافعياً مقيداً , بل مجتهداً طليقاً , ينظر إلى الشريعة من أفق واسع . وقد تجلى هذا في مواضع كثيرة , تحتاج إلى دراسة خاصة , تصلح لأطروحة جامعية .

    العوارض التي تنقل السماع المباح إلى الحرمة :

    ذكر الغزالي عوارض خمسة تجعل السماع المباح محظوراً , تتحدد فيما يلي :

    1. عارض في المسمع بأن يكون امرأة لا يحل النظر إليها , وتخشى الفتنة من سماعها . والحرمة فيه لخوف الفتنة لا لذات الغناء .
    ورجح الغزالي قصر التحريم على مظنة خوف الفتنة .. وأيد ذلك بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة , إذ يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع أصواتهما , ولم يحترز منه . ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه , فلذلك لم يحترز . فإذن يختلف هذا بأحوال المرأة , وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا , ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال , فإنا نقول : للشيخ أن يقبل زوجته , وهو صائم , وليس للشاب ذلك .

    2. عارض في الآلة بأن تكون من شعار أهل الشرب أو المخنثين , وهي : المزامير والأوتار وطبل الكوبة . فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة , وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة , كالدف , وان كان فيه الجلاجل , وكالطبل والشاهين , والضرب بالقضيب وسائر الآلات .

    3. عارض في نظم الصوت , وهو الشعر , فإن كان فيه شئ من الخنا والفحش والهجر , أو ما هو كذب على الله تعالى وعلى رسوله , أو على الصحابة , كما رتبه الروافض في هجاء , الصحابة وغيرهم , فسماع ذلك حرام , بألحان وغير ألحان , والمستمع شريك للقائل . وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها , فإنه لا يجوز وصف المرأة بين يدي الرجال . . فأما التشبيب بوصف الخدود والقد والقامة . . وسائر أوصاف النساء , فالصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده, بلحن وبغير لحن , وعلى المستمع ألا ينزله على امرأة معينة , فإن نزله فلينزله على
    من تحل له , فإن نزله على أجنبية , فهو العاصي بالتنزيل , واجالة الفكر فيه . ومن هذا وصفه , فينبغي أن يجتنب السماع رأسا . . .

    4. عارض في المستمع , وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه , وكان في غرة الشباب , وكانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها , فالسماع حرام عليه , سواء غلب على قلبه حب شخص معين أم لم يغلب , فإنه كيفما كان , فلا يسمع وصف الصدغ والخد , والفراق والوصال , إلا ويحرك ذلك شهوته , وينزله على صورة معينة , ينفخ الشيطان بها في قلبه , فتشتعل نار الشهوة , وتمتد بواعث الشر . .

    5. أن يكون الشخص من عوام الخلق , ولم يغلب عليه حب الله تعالى , فيكون السماع له محبوباً , ولا غلبت عليه شهوة , فيكون في حقه محظوراً , ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة , إلا أنه إذا اتخذه ديدنه وهجيراه , وقصر عليه أكثر أوقاته , فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته , فإن المواظبة على اللهو جناية , وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة , فكذلك بعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة . . . ومن هذا القبيل : اللعب بالشطرنج , فإنه مباح , ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة . . وما كل مباح يباح كثيره . بل الخبز مباح , والاستكثار منه حرام , كسائر المباحات .
    ويلاحظ في هذه العوارض التي ذكرها الغزالي : أنه اعتبر الأوتار والمزامير من عوارض التحريم , بناء على أن الشرع ورد بالمنع منها .
    وقد اجتهد في تعليل هذا المنع , فأبدع وأجاد في التعليل والتفسير , إذ قال :
    إن الشرع لم يمنع منها للذاتها ؛ إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان , ولكن حرمت الخمور , واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها , حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان , فحرم معها كل ما هو من شعار أهل الشرب , وهى الأوتار والمزامير فقط , وكان تحريمها من قبل الاتباع , كما حرمت الخلوة بالأجنبية ؛ لأنها مقدمة الجماع , وحرم النظر إلى الفخذ , لاتصاله بالسوأتين , وحرم قليل الخمر , وان كان لا يسكر؛ لأنه يدعو إلى السكر , وما من حرام إلا وله حريم يطيف به , وحكم الحرمة ينسحب على حريمه , ليكون حمى للحرام ووقاية له , وخطاراً مانعاً حوله .
    فهي ( أي الأوتار والمزامير ) محرمة تبعا لتحريم الخمر لثلاث علل :
    إحداها : أنها تدعو إلى شرب الخمر , فإن اللذات الحاصلة بها إنما تتم بالخمر . . .
    الثانية : أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب . . . والذكر سبب انبعاث الشوق , وهو سبب الإقدام . . .
    الثالثة : الاجتماع عليها , لما أن صار من عادة أهل الفسق , فيمنع من التشبه بهم ؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم . . .
    وبعد كلام وتحليل جيد , قال الغزالي : وبهذا نتبين أنه ليست العلة في تحريمها : مجرد اللذة الطيبة , بل القياس تحليل الطيبات كلها ,إلا ما في تحليله فساد . قال الله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ؟ .
    ورحم الله الإمام الغزالي , فالحقيقة : أنه لم يرد نص صحيح الثبوت صريح الدلالة , يمنع من هذه الأوتار والمزامير كما ظن , ولكنه - رضى الله عنه - أخذ الأحاديث المروية في الموضوع قضية مسلمة , ثم حاول تفسيرها بما ذكرناه , ولو عرف وهن أسانيد المرويات في هذا الأمر , ما جشم نفسه عناء هذا التعليل . وهو على كل حال تعليل مفيد لمن لا يسلم بضعف هذه الأحاديث .










    انتهى كلام القرضاوي وفقه الله. الرجل بسط القول في الموضوع ، وكم نحن بحاجة إلى عالم مثل القرضاوي يخاطب فينا العقول ويحترم ذواتنا ولا يمارس الوصاية علينا.

    أتمنى لكم وقتا ممتعا في قراءة هذا الموضوع... رأيته مفيدا جدا فأحببت أن تشاركوني قراءته.

    لكم كل الود... وإن كان هناك كلمة شكر فقدموها للقرضاوي من خلال هذا المتصفح فما أنا إلا ناقل.

    يومكم قراءة مااتعة



    تحياتي



    منقوووول

الدورات التدريبية جامعة نجران
يشرفنا اعجابك على فيس بوك facebook