الشفاعة في الاسلام
1 الشفاعة في الاسلام

ا د احمد محمد المسير.


(يشتمل على مفهوم الشفاعة سيد الشفعاء الشفاعة لامة الاسلام الشفعاء يوم القيامة شفاعة الاعمال الشفاعة في المجتمع


مفهوم الشفاعة:

الشفاعة لغة: الطلب والوسيلة وعرفا: سؤال الخير من الغير الى الغير بمعنى ان يسعى شخص لدى شخص اخر في قضاء مصلحة لطرف ثالث.
فالشافع او الشفيع انضم الى كل من المطلوب منه والمطلوب له فصار شفعا اي زوجا بعد ان كان وترا.
والشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر فان الشفاعة عند البشر قد يفاجا بها المشفوع اليه وقد يكون للشفيع تاثير عليه او سلطة فوقه فيلجئه ذلك الى قبول الشفاعة.
وقد يستجيب المشفوع اليه خجلا او حياء او انتظارا لمصلحة تعود اليه من الشفيع.
وهذا وغيره منتف في حق الله تعالى فالشفاعة الشرعية لها ضوابط:
1 لا احد يشفع عند الله تعالى الا باذنه ولا يملك نبي ولا ولي ولا ملك مقرب من الامر شيئا. قال تعالى:
" من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه " سورة البقرة
وقال جل شانه:
" يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضي له قولا " سورة طه اية 109
وقال سبحانه:
" وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان ياذن الله لمن يشاء ويرضى " سورة النجم اية 26
فالشفاعة مرهونة باذن الله ومشيئته وسابق عهده ووعده كما نص على ذلك قوله تعالى:
" لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا " سورة مريم اية 87
2 الشفاعة ليست خاضعة لارادة بشر واختياره وليست مطلقة للاهواء والاحساب بل هي اختيار الله للمشفع فيهم ورضاؤه عنهم.
وفي معرض حديث القران عن تكريم الله تعالى للملائكة وتنزيههم عن البنوة لله جل شانه قال سبحانه:
" وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " سورة الانبياء الايات 26 2
وفي اول لقاء لتبليغ الدعوة والجهر بها وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ودعا قريشا فاجتمعوا فقال:
يا بني كعب بن لؤي انقذوا انفسكم من النار يا بني مرة بن كعب انقذوا انفسكم من النار يا بني عبد شمس انقذوا انفسكم من النار يا بني عبد مناف انقذوا انفسكم النار يا بني هاشم انقذوا انفسكم من النار يا بني عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة انقذي نفسك من النار فاني لا املك لكم من الله شيئا غير ان لكم رحما سابله ببلالها
3 لا شفاعة لكافر لانه فقد اساس الثواب وهو الايمان وقد تظاهرت على ذلك ايات القران الكريم. قال تعالى:
"ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" سورة غافر اية 1
فالكفر والشرك اظلم الظلم.
وحكم الله على المجرمين المكذبين باصول الدين المتمردين على طاعة الله المستكبرين على خلق الله بان مصيرهم المحتوم هو سقر ولن يخرجوا من عذابها باية شفاعة كانت. قال تعالى:
"فما تنفعهم شفاعة الشافعين" سورة المدثر اية 4
4 ان قبول الشفاعة هو فضل الله يحبو به من يشاء ومتى كانت الشفاعة باذن الله ولمن يرضى عنه الله فتصبح المسالة برمتها خالصة لله رب العالمين ولهذا قال الله جل شانه:
"قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض ثم اليه ترجعون" سورة الزمر اية 44

سيد الشفعاء:
ان حكمة الشفاعة هي تكريم الله تعالى للشفعاء وبيان منزلتهم عنده واظهار مكانتهم التي تفضل الله بها عليهم وليس للشفعاء من الامر شيء قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:
"قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان انا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون" سورة الاعراف اية 18
وطالما ان الشفاعة تكريم وتفضيل فان سيد الشفعاء هو سيد الاولين والاخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو صاحب الشفاعة العظمى التي تفرد بها بين سائر اخوانه النبيين فهو صلى الله عليه وسلم اول شافع اي طالب للشفاعة واول مشفع اي مقبول الشفاعة.
وهذه الشفاعة العظمى هي الشفاعة في فصل القضاء وفي ساحة المحشر حين يشتد الهول على الخلائق وتدنو الشمس من الرؤوس وتزداد الخطوب حتى يتمنى الناس الانصراف ولو الى جهنم ويطوف الناس على الانبياء بدءا بادم عليه السلام ومرورا بنوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام كلهم يقولون: نفسي نفسي ان ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله.
وينتهي الجمع الحاشد الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فينطلق فيخر ساجدا تحت عرش الرحمن ويلهمه الله من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لاحد قبله ثم يقال: ارفع راسك سل تعط اشفع تشفع.
وهذا هو المقام المحمود الذي يحمد الخلائق فيه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وقد جاءت احاديث كثيرة في الصحيحين تصف هذا الموقف وتشرح احوال الخلائق وتبين فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونسوق هنا هذه الرواية: قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم):
انا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذلك
يجمع الله يوم القيامة الاولين والاخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر اي لا يخفى منهم شيء ولا يستتر منهم احد لاستواء الارض واتساعها وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: الا ترون ما انتم فيه الا ترون ما قد بلغكم الا تنظرون من يشفع لكم الى ربكم فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا ادم فياتون ادم فيقولون: يا ادم انت ابو البشر خلقك الله بيدك ونفخ فيك من روحه وامر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا الى ربك الا ترى الى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول ادم: ان ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى نوح.
فياتون نوحا فيقولون: يا نوح انت اول الرسل الى الارض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا الى ربك الا ترى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب ولن يغضب بعده مثله وانه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي. نفسي اذهبوا الى ابراهيم. فياتون ابراهيم فيقولون انت نبي الله وخليله من اهل الارض اشفع لنا الى ربك الا ترى الى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم ابراهيم: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي. نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى موسى.
فياتون موسى فيقولون: يا موسى انت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا الى ربك الا ترى الى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم موسى: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قتلت نفسا لم اومر بقتلها نفسي. نفسي اذهبوا الى عيسى.
فياتون عيسى فيقولون: يا عيسى انت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه القاها الى مريم وروح منه فاشفع لنا الى ربك الا ترى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم عيسى: ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا نفسي. نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى محمد صلى الله عليه وسلم.
فياتوني فيقولون: يا محمد انت رسول الله وخاتم الانبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر اشفع لنا الى ربك الا ترى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا.
فاتي تحت العرش فاقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لاحد قبلي ثم قال: يا محمد ارفع راسك سل تعط اشفع تشفع"
وهنا بعض تنبيهات في فهم هذا الحديث:
1 معاصي الانبياء المذكورة على السنتهم في هذا المقام محمولة على ترك الاولى ومن باب حسنات الابرار سيئات المقربين ولها من التاويل السائغ ما يتفق مع عصمة الانبياء عليهم الصلاة والسلام
2 قول اهل الموقف لنوح عليه السلام: انت اول الرسل اي بعد الطوفان او هو اول رسول الى قوم كافرين فان الرسل قبله بعثوا للمؤمنين فلم يكن الفساد والاختلاف قد انتشر في الارض
3 الهم الناس البدء بادم ثم نوح ثم ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولم يصلوا ابتداء الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي يظهر تفضيل الله تعالى لسيدنا محمد على الخلائق اجمعين بعد ان امتنع كل الذين سبقوه من الرسل. ولو حصل ذلك اولا ما فهم هذا المعنى كاملا لاحتمال انه فعل امرا يقدر عليه غيره.
******

الشفاعة لامة الاسلام:

هناك شفاعات اخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تختص بامة الاسلام منها:
1 شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة من امته يدخلون الجنة بغير حساب وفي حديث الشفاعة العظمى بعد ان يرفع الرسول راسه من سجوده تحت العرش يقول: يا رب امتي امتي فيقال: يا محمد ادخل الجنة من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من ابواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الابواب والذي نفس محمد بيده ان ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر او كما بين مكة وبصرى هجر مدينة في البحرين وهي غير هجر المشهورة بصناعة الغلال وهي من قرى المدينة المنورة بصرى مدينة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل وبينها وبين مكة مسيرة شهر).
كما يستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: يدخل من امتي الجنة سبعون الفا بغير حساب فقال رجل: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم ثم قام اخر فقال: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم قال: سبقك بها عكاشة
2 شفاعته صلى الله عليه وسلم لاهل الكبائر والذنوب طالما بقي الايمان في قلوبهم وقد روى جمع من الصحابة ما يؤكد هذا المعنى منهم ابو هريرة وكعب الاحبار وانس بن مالك وقتادة وجابر بن عبد الله.
قال عليه الصلاة والسلام: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني اختبات دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة فهي نائلة ان شاء الله من مات من امتي لا يشرك بالله شيئا"
قال الامام النووي: وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على امته ورافته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة فاخر صلى الله عليه وسلم دعوته لامته الى اهم اوقات حاجاتهم
واما قوله صلى الله عليه وسلم "فهي نائلة ان شاء الله من مات من امتي لا يشرك بالله شيئا" ففيه دلالة لمذهب اهل الحق ان كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وان كان مصرا على الكبائر" صحيح مسلم بشرح النووي ج3 ص75
وهذه الشفاعة اهتم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى من اجلها حتى بشره الله بقبولها ففي صحيح مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في ابراهيم:
"رب انهن اضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم" سورة ابراهيم اية 36
وقول عيسى عليه السلام:
"ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم" سورة المائدة اية 11
فرفع يديه وقال: اللهم امتي. امتي. وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب الى محمد وربك اعلم فسله ما يبكيك فاتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فساله فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو اعلم فقال الله: يا جبريل اذهب الى محمد فقل: انا سنرضيك في امتك ولا نسوؤك"
وهذا الحديث الشريف موافق لقوله تعالى:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى" سورة الضحى اية 5
فلم يكن عطاء الله لرسوله وقفا على معان مادية او ثروات مالية ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطمع في ذلك فهو صلى الله عليه وسلم الذي اختار ان يكون عبدا رسولا
وكمال شفقة الرسول بامته واهتمامه بمصالحهم الدينية اعظم واكبر.
3 شفاعته صلى الله عليه وسلم لابي طالب بالتخفيف عنه من عذاب النار فهو لا يخرج منها لموته على الكفر لكن يخفف عنه بدفاعه عن ابن اخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته حتى ان قريشا لم تستطع ان تنال من الرسول صلى الله عليه وسلم الا بعد وفاة ابي طالب. فخرج الى الطائف وائتمرت به قريش ليقتلوه فاذن الله لرسوله بالهجرة الى المدينة فتكون السنة قد خصصت عموم القران
وفي صحيح مسلم ان العباس بن عبد المطلب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم الله هل نفعت ابا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك قال: نعم هو في ضحضاح من نار ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار" الضحضاح: ماء على وجه الارض يبلغ الكعبين استعير من النار
وفي رواية عن ابي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه
*******