مشاهدة : 733
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    نردين احمد غير متصل طالب ابتدائي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    77
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    Rep Power
    7

    الشفاعة في الاسلام

    الشفاعة في الاسلام




    1- الشفاعة في الإسلام

    أ د .أحمد محمد المسير.


    (يشتمل على : مفهوم الشفاعة - سيد الشفعاء - الشفاعة لأمة الإسلام - الشفعاء يوم القيامة - شفاعة الأعمال - الشفاعة في المجتمع )


    مفهوم الشفاعة:

    الشفاعة لغة: الطلب والوسيلة، وعرفاً: سؤال الخير من الغير إلى الغير، بمعنى أن يسعى شخص لدى شخص آخر في قضاء مصلحة لطرف ثالث..
    فالشافع أو الشفيع انضم إلى كل من المطلوب منه، والمطلوب له فصار شفعاً أي زوجاً بعد أن كان وتراً..
    والشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفاعة عند البشر قد يفاجأ بها المشفوع إليه، وقد يكون للشفيع تأثير عليه أو سلطة فوقه فيلجئه ذلك إلى قبول الشفاعة..
    وقد يستجيب المشفوع إليه خجلاً أو حياء أو انتظاراً لمصلحة تعود إليه من الشفيع..
    وهذا وغيره منتف في حق الله تعالى، فالشفاعة الشرعية لها ضوابط:
    1- لا أحد يشفع عند الله تعالى إلا بإذنه، ولا يملك نبي ولا ولي ولا ملك مقرب من الأمر شيئاً.. قال تعالى:
    " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " (سورة البقرة).
    وقال جل شأنه:
    " يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً " (سورة طه آية 109).
    وقال سبحانه:
    " وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " (سورة النجم آية 26).
    فالشفاعة مرهونة بإذن الله، ومشيئته وسابق عهده ووعده كما نص على ذلك قوله تعالى:
    " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً " (سورة مريم آية 87).
    2- الشفاعة ليست خاضعة لإرادة بشر واختياره وليست مطلقة للأهواء والأحساب. بل هي اختيار الله للمشفع فيهم ورضاؤه عنهم..
    وفي معرض حديث القرآن عن تكريم الله تعالى للملائكة وتنزيههم عن البنوة لله جل شأنه، قال سبحانه:
    " وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " (سورة الأنبياء الآيات 26- 2 .
    وفي أول لقاء لتبليغ الدعوة والجهر بها وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ودعا قريشاً فاجتمعوا، فقال:
    يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبله ببلالها.
    3- لا شفاعة لكافر لأنه فقد أساس الثواب وهو الإيمان، وقد تظاهرت على ذلك آيات القرآن الكريم.. قال تعالى:
    "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" (سورة غافر آية 1 .
    فالكفر والشرك أظلم الظلم..
    وحكم الله على المجرمين، المكذبين بأصول الدين المتمردين على طاعة الله، المستكبرين على خلق الله بأن مصيرهم المحتوم هو سقر ولن يخرجوا من عذابها بأية شفاعة كانت.. قال تعالى:
    "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (سورة المدثر آية 4 .
    4- إن قبول الشفاعة هو فضل الله، يحبو به من يشاء، ومتى كانت الشفاعة بإذن الله ولمن يرضى عنه الله، فتصبح المسألة برمتها خالصة لله رب العالمين، ولهذا قال الله جل شأنه:
    "قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون" (سورة الزمر آية 44).

    سيد الشفعاء:
    إن حكمة الشفاعة هي تكريم الله تعالى للشفعاء، وبيان منزلتهم عنده، وإظهار مكانتهم، التي تفضل الله بها عليهم، وليس للشفعاء من الأمر شيء، قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:
    "قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون" (سورة الأعراف آية 18 .
    وطالما أن الشفاعة تكريم وتفضيل فإن سيد الشفعاء هو سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو صاحب الشفاعة العظمى، التي تفرد بها بين سائر إخوانه النبيين، فهو صلى الله عليه وسلم أول شافع أي طالب للشفاعة، وأول مشفع أي مقبول الشفاعة..
    وهذه الشفاعة العظمى هي الشفاعة في فصل القضاء، وفي ساحة المحشر حين يشتد الهول على الخلائق وتدنو الشمس من الرؤوس، وتزداد الخطوب حتى يتمنى الناس الانصراف ولو إلى جهنم، ويطوف الناس على الأنبياء بدءاً بآدم عليه السلام ومروراً بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، كلهم يقولون: نفسي نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله..
    وينتهي الجمع الحاشد إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فينطلق فيخر ساجداً تحت عرش الرحمن ويلهمه الله من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبله، ثم يقال: ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع..
    وهذا هو المقام المحمود، الذي يحمد الخلائق فيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم .. وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين، تصف هذا الموقف وتشرح أحوال الخلائق وتبين فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم..
    ونسوق هنا هذه الرواية: قال عليه الصلاة والسلام (كما في صحيح مسلم):
    أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذلك؟
    يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر (أي لا يخفى منهم شيء ولا يستتر منهم أحد لاستواء الأرض واتساعها) وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟! ألا ترون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟! فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيدك ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي .. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح..
    فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.. فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى..
    فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى عيسى..
    فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم..
    فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا..
    فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع" ..
    وهنا بعض تنبيهات في فهم هذا الحديث:
    1- معاصي الأنبياء المذكورة على ألسنتهم في هذا المقام محمولة على ترك الأولى ومن باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولها من التأويل السائغ ما يتفق مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
    2- قول أهل الموقف لنوح عليه السلام: أنت أول الرسل، أي بعد الطوفان أو هو أول رسول إلى قوم كافرين فإن الرسل قبله بعثوا للمؤمنين، فلم يكن الفساد والاختلاف قد انتشر في الأرض.
    3- ألهم الناس البدء بآدم ثم نوح ثم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولم يصلوا ابتداء إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي يظهر تفضيل الله تعالى لسيدنا محمد على الخلائق أجمعين، بعد أن امتنع كل الذين سبقوه من الرسل.. ولو حصل ذلك أولاً ما فهم هذا المعنى كاملاً لاحتمال أنه فعل أمراً يقدر عليه غيره..
    *******

    الشفاعة لأمة الإسلام:

    هناك شفاعات أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تختص بأمة الإسلام منها:
    1- شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، وفي حديث الشفاعة العظمى بعد أن يرفع الرسول رأسه من سجوده تحت العرش، يقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ( هجر مدينة في البحرين وهي غير هجر المشهورة بصناعة الغلال وهي من قرى المدينة المنورة، بصرى مدينة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل وبينها وبين مكة مسيرة شهر).
    كما يستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة.
    2- شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر والذنوب طالما بقي الإيمان في قلوبهم وقد روى جمع من الصحابة ما يؤكد هذا المعنى منهم أبو هريرة وكعب الأحبار وأنس بن مالك وقتادة، وجابر بن عبد الله..
    قال عليه الصلاة والسلام: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
    قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم.
    وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصراً على الكبائر" ( صحيح مسلم بشرح النووي ج3 ص75).
    وهذه الشفاعة اهتم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى من أجلها حتى بشره الله بقبولها، ففي صحيح مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم:
    "رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" (سورة إبراهيم آية 36).
    وقول عيسى عليه السلام:
    "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (سورة المائدة آية 11 .
    فرفع يديه وقال: اللهم أمتي.. أمتي.. وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، (وربك أعلم) فسله ما يبكيك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
    وهذا الحديث الشريف موافق لقوله تعالى:
    "ولسوف يعطيك ربك فترضى" (سورة الضحى آية 5).
    فلم يكن عطاء الله لرسوله وقفاً على معان مادية أو ثروات مالية ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطمع في ذلك، فهو صلى الله عليه وسلم الذي اختار أن يكون عبداً رسولاً.
    وكمال شفقة الرسول بأمته واهتمامه بمصالحهم الدينية أعظم وأكبر..
    3- شفاعته صلى الله عليه وسلم لأبي طالب بالتخفيف عنه من عذاب النار، فهو لا يخرج منها لموته على الكفر، لكن يخفف عنه بدفاعه عن ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال حياته حتى إن قريشاً لم تستطع أن تنال من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد وفاة أبي طالب.. فخرج إلى الطائف، وائتمرت به قريش ليقتلوه فأذن الله لرسوله بالهجرة إلى المدينة، فتكون السنة قد خصصت عموم القرآن.
    وفي صحيح مسلم أن العباس بن عبد المطلب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم آلله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟! قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". (الضحضاح: ماء على وجه الأرض يبلغ الكعبين، استعير من النار).
    وفي رواية عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه.
    *******

  2. #2
    نردين احمد غير متصل طالب ابتدائي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    77
    Thanks
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    Rep Power
    7

    رد: الشفاعة في الاسلام

    الشفعاء يوم القيامة:

    الشفاعة العظمى، التي تكون في المحشر حتى يفصل الله بين الخلائق (هي من خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم)، أما باقي الشفاعات فيشترك فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون والعلماء والشهداء وغيرهم.
    ومن الدلائل على شفاعة هؤلاء جميعاً قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً، فيلقيهم في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحَجَر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول:
    ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
    فهذا الحديث يؤكد شفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، ويبين رحمة الله التي تتدارك من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهؤلاء الذين فقدوا العمل الصالح ودخلوا النار جزاء معصيتهم وانحرافهم وطال به الأمد في العذاب حتى صاروا كقطع الفحم (تتداركهم في النهاية رحمة الله بعد أن تخطتهم كل الشفاعات.. ).
    فيعاد تنشئتهم تنشئة أخرى، يصيرون إثرها كاللؤلؤ بياضاً ونقاء وصفاء ويحلون بكل ما هو جميل، ويعرفهم أهل الجنة، الذين سبقوهم بأن هؤلاء عتقاء الله..
    ومن الآيات القرآنية الدالة على شفاعة الملائكة قوله تعالى:
    "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون" (سورة الأنبياء آية 2 .
    ومن الآيات الدالة على شفاعة الآباء لأبنائهم أو العكس، طالما جمعهم الإيمان، قوله تعالى:
    "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" (سورة الطور).
    فالثواب فضل والعقاب عدل، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم أعينهم.
    فهذا فضل الله على الأبناء، أما فضل الله على الآباء بدعاء الأبناء فواضح في قوله صلى الله عليه وسلم (كما رواه أحمد بإسناد صحيح) إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول باستغفار ولدك لك".
    وفي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".
    هذا في الثواب، فإن كان هناك عقاب لأحد ما فلا يحمل ذنب إنسان على آخر والداً كان أو ولداً، قريباً كان أو بعيداً، رجلاً كان أو امرأة ..
    "كل امرئ بما كسب رهين" (سورة الطور آية 21).
    وجاءت أحاديث كثيرة تثبت شفاعات لفئات خاصة من المؤمنين، كالشهداء، وقراء القرآن والعلماء.
    فروى أبو داود وابن حبان بسندهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته".
    وخرج أحمد بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه" كما روى الترمذي نفس هذا المعنى عن المقدام بن معدي كرب في حديث حسن صحيح..
    ولقارئ القرآن العامل به شفاعة في عشرة من أهله، استحقوا النار لكثرة أعمالهم السيئة، فقد خرج الترمذي وابن ماجة بإسنادهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت لهم النار".
    شفاعة الأعمال:

    من قدرة الله تعالى وحكمته أن جعل لبعض الأعمال الصالحة شفاعة يوم القيامة أو سبباً للشفاعة.
    فالقرآن قراءة وعملاً، والصيام أداء وأدباً يجعلهما الله تعالى شفيعين للقارئ والصائم، وفي حديث رواه مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه".
    وفي حديث رواه أحمد والطبراني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان".
    وهناك سور خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر وأخبر أنها تشفع لصاحبها، مثل سورة البقرة، وسورة آل عمران..
    ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرأوا الزهرواين، البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما".
    وهذه الشفاعة القرآنية ليست لمجرد القراءة الجوفاء الخالية عن الوعي والسلوك وإنما هي مرتبطة بالتلاوة الدافعة إلى حسن العمل والولاء.. وقد جاء ذلك صريحاً في حديث رواه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما".
    ومن الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الشفاعة لصاحبها فيحظى باهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم. الأذان والدعاء عقبه لسيدنا رسول الله.
    فالأذان إعلام بدخول وقت الصلاة، وإظهار لشعائر الإسلام عقيدة وشريعة وقد امتن الله تعالى على المؤذنين، فجعل كل من يسمعهم شفيعاً لهم يوم القيامة، وفي صحيح البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
    وشهادة غير الجن والإنس إنما تفهم في إطار قدرة الله الذي أنطق كل شيء، وفي إطار قوله تعالى:
    "حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون".
    فإذا شهدت الأسماع والأبصار والجلود على الإنسان بقدرة الله عز وجل فإنها ومثلها تشهد للإنسان كما شهدت عليه..
    ومن السنة ترديد كلمات الأذان عقب سماعها جملة جملة إلا حي على الصلاة وحي على الفلاح، فيقول المستمع: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    وبعد انتهاء الأذان نقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته.
    حينئذ تتحقق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقائل ذلك بشفاعة الحبيب المصطفى..
    وقد روى البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة".
    ***********

    الشفاعة في المجتمع:

    الشفاعة في أمور الحياة لدى الحكام والوجهاء وذوي المكانة وأولي الأمر لها أكثر من اتجاه، ويترتب عليها أكثر من حكم تبعاً للنوايا والمقاصد، وبناء على العواقب والخواتم..
    1- هناك شفاعة بمعنى السعي في حوائج الناس، وتيسير مطالبهم، وقضاء مصالحهم، فهذا وجه عظيم من وجوه الخيرات، له منزلة كبيرة وثواب جزيل عند الله تعالى..
    قال عليه الصلاة والسلام (في الحديث المتفق عليه): "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".
    وفي الحديث المتفق عليه أيضاً: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، قال أبو هريرة: وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر.
    فالساعي على الأرملة والمسكين قد يكون بنفسه مباشرة وقد يكون شفاعة لدى غيره .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء".
    2- وهناك شفاعة بمعنى الستر على ذوي المعاصي، ونصحهم، وعدم كشف سلوكياتهم طالما كانت المسألة أمراً طارئاً أو كبوة عارضة أو هفوة يعتريها تصحيح السلوك واستقامة الخلق ..
    وهذا أدب إسلامي لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة".
    3- وهناك شفاعة بمعنى التوسط لأخذ حقوق الناس وإعطائها لمن لا يستحق، فهذه جريمة اعتداء على الحرمات، وأكل للأموال بالباطل، وهدم للقيم، وهي لون من الرشوة التي لعنها الله، وفاعلها هو الرائش الذي يتوسط بين الراشي والمرتشي.
    4- وهناك شفاعة بمعنى تعطيل إقامة الحدود، وتهريب المجرمين من العدالة، والمساهمة في تأمين المنحرفين، فهذا اعتداء آثم على المجتمع وإشاعة للمنكر بين الناس.
    وقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم الرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: "يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".
    فدرء الحدود والستر إنما يكون قبل وصول القضية إلى أولي الأمر فإذا وصلت فلعن الله الشافع والمشفع..
    هذا والشفاعة بالمعنى الجائز وغير الجائز قد ذكرها القرآن الكريم وحدد مسئولية الشافع في كلا الموقفين، فقال جل شأنه:
    "من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شي مقيتا" (سورة النساء آية 85).
    وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة الحسنة بنفسه، وجاء في صحيح البخاري بسنده عن ابن عباس قصة بريرة التي كانت أمة متزوجة بعبد فأعتقت، فثبت لها الخيار في استمرار الزواج أو فسخه، فاختارت الفسخ، وكان زوجها ويسمى "مغيثاً" يطوف خلفها في سكك المدينة يبكي ودموعه تسيل على لحيته، حتى قال الرسول لعمه العباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً.. !!
    وتدخل الرسول الكريم في الموضوع وقال للمرأة: لو راجعته، فقالت: يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، فقالت فلا حاجة لي فيه ..".
    وهكذا شفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن المرأة لم تقبل الشفاعة واعتذرت، فقبل الرسول عذرها ولم يتأثر برد شفاعته..
    __________________

الدورات التدريبية جامعة نجران
يشرفنا اعجابك على فيس بوك facebook