امثال عن الاجتهاد




سلطة الدرجة ومسؤولية الرعاية قلنا وسكتنا. وأمسكنا عن الخوض في شأن خاص شاذ.

لكنا نقول ولا نسكت إن زعم زاعم أن ديننا عسر لا يسر فيه، وتنفير لا تبشير، وإكراه لا رضى، وحيف لا عدل، وحرَج ما معه فرج.

إذا كانت رباطة الجأش في نصرة المظلوم مروءة وخلُقا فاضلا فإن الدين يعزز المروءة لتكون كلمة الحق في إنصاف المسلمات ونبذ لومة اللائم في سنة رسول الله الرفيقة بهن من أوجب الواجبات.

ما دون سنته صلى الله عليه وسلم الناصعة المضيئة كالشمس من شبهة في صحة النقل، أو نسخ طرأ، أو خاص لا يعمم أو مقيد ما له إطلاق، أو دلالة لفظية مشتركة. السنة من مقام العصمة تقول: هكذا فكونوا مع الزوج التي تحرص على اللهو، ومع المظلومة التي تريد النصَفَة. ويأتي المتشدد ومعه العبارة الجامعة المانعة: "لا يجوز!"

هو مِنَّا وإِلَيْنَا ذلك الصادق في إيمانه، الغيور على دينه، الغاضب لله ورسوله، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. لكنا لا نقبل منه أن يأتينا بترجيحات شاذة مقدسة عنده لما تقادم عليها الزمن وذاع صيت الفقيه المرجح حتى أصبح قوله هو السنة وما سواه بدعة.

الدليل!

أفتحتاج الدلالة اللفظية في حديث البخاري عن الزوج تتفرج وعن الأَمة تقود الإمام الأعظم باليد إلى استنباط وتأويل وشرح؟ في متناول كل مسلمة لها نصيب من العلم باللغة أن تقرأ النص وتدرك معنى حبشة تلعب، ومعنى المسجد، ومعنى زوج تتكئ على منكبي زوجها، ومعنى جارية تحرص على اللهو وتتفرج حتى تسأم والزوج صابر لها موافق راض.

كل مسلمة في متناولها أن تدرك معنى أَمة، ومعنى تأخذ بيده، ومعنى تنطلق به أينما شاءت. وهو أمر آخر غيرُ مصافحة الرجل للنساء التي ورد الحديث الصحيح بمنعها.

وفي متناول كل لبيبة ولبيب أن يستنتج من هذه الأعمال النموذجية أن روحاً من الود والرفق والمساعدة والإنصاف والاحترام كانت تسود المجتمع النبوي والبيت النبوي.

هل يعني هذا أن الاجتهاد في متناول كل مسلمة ومسلم معهما نصيب من العلم باللغة ودلالتها اللفظية؟ كلا ليس في المسألة المعروضة اجتهاد للفهم، لكن اجتهاد لاتباع سنة ثابتة بالقطع دالة بالنص الصريح الواضح.

للاجتهاد أهله وشروطه، في مقدمتها التقوى والعلم، ثم تحصيل الأدوات المنهاجية الأصولية. للاجتهاد موضوعه وهدفه، وهو استنباط الحكم من نصوص تتعارض، أو تحتمل التأويل، أو تشترك في لفظها معان متعددة، أو خصص نص آخر مفهوم النص المطروح للبحث أو عممه أو أطلقه وقيده.

وهذا لا مجال فيه للواعظ التقي الغيور على دينه ما لم يبن على أساس متين من التلمذة على المدرسة الأصولية ومناهجها التي هي أنفس ما تركه لنا وشيده وأقام صرحه العظيم فقهاؤنا الجهابذة رضي الله عنهم.

تجد غالبا المتنطعين المانعين إما جامدين على تقليد مقالة تقادمت فتقدست وصارت سورا لا يتجاوز، وغمامة قاتمة تحجب ضوء شمس السنة النبوية. وإما قارئين للقرآن والحديث قراءة حرفية جزئية بعقلية سطحية تبسيطية تقسم العالم قسمين ساذجين: يجوز ولا يجوز. ويزعم أحدهم أنه باستطاعته واستطاعة كل من فك كلمات الكتب الستة أن يجتهد ويحكم في الحلال والحرام. ولا تجد عند مثل الجامد المقلد المنحاز للرأي الشاذ و"المجتهد" وليس معه ماعونُ الاجتهاد أية دراية بمراتب الأحكام من وجوب إلى استحباب، ومن حرمة إلى كراهة، ومن حسن إلى خلاف الأَوْلى.

لا مجال للغيور على دينه والغيورة أن تتصديا للاجتهاد حتى يستوفيا الشروط. وإن باب الاجتهاد الذي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأحد أن يغلقه. الاجتهاد له شروطه المعتبرة الضابطة التي ليست بدعة في الدين، لكنها لجام للعابثين بالدين والمتهورين في الدين.

حُجة الاجتهاد وضرورة تجديده يتذرع بها أمثال قاسم أمين وبورقيبة والملحدات والإسلامولوجيون، فيحتقرون الفقه الموروث، ويتباهَون باطلاعهم الواسع على التاريخ، وعلى أحوال العالم، والقوانين الاجتماعية للتطور، ودورات الاقتصاد العالمي، وحاجات البلاد الإسلامية المتخلفة، وإمكانياتها، وأسباب قهر المرأة سابقا ولاحقا، والعلاقة السلطوية الاقتصادية بين الرجال والنساء وبين الزوج وزوجه.