في القرن ال21 ما زال عبيد اليمن يصرخون: لدينا حلم

"المصدر اونلاين" يفتح الملف الذي لم يفتح من قبل ويروي حكاية 500 عبد وجارية في اليمن


اضغط على هذا الشريط هنا لعرض الصورة بكامل حجمها

المصدر اونلاين خاص: عمر العمقي
ثلاث سنوات خلت منذ تلك اللحظة التي حدثني فيها الزميل حمدي البهلولي عن وجود فئة من العبيد والجواري مقيمة في شمال غرب اليمن.

وفي اواخر العام 2007م قررت عمل ملف عن هذه الشريحة وانطلقت حينها صوب محافظة الحديدة باحثا عنهم وبعد اسبوع عدت مكللا بالفشل وفي فبراير 2009 تبين لي ذلك الحيز الجغرافي الذي يستوطن فيه ضحايا الرق والاسترقاق وظللت ارقب اللحظة المناسبة للملمة قصصهم وحكايتهم!

في الثالث والرابع من يونيو الجاري تسنى لي زيارة معقل العبيد والجواري في بلادنا واستعنت في مهمتي بالصديقين سليمان مخيط ومجاهد الربعي المنتميين لمديرية كعيدنة.
"كعيدنة" التي يتعالى على قمم جبالها انين المستضعفين و"الزهرة" التي تلطخت رمالها بدموع الرقيق المهانين.

"المصدر اونلاين" يكشف فيما يلي من السطور عن كارثة انسانية تنبئ عن فداحة صمت الاجهزة الحكومية في محافظتي حجة والحديدة اللتين لا تزال اقدام العبيد والجواري تمضي على سطحهما غدوا وعشيا. الى التفاصيل:

يجهل "قناف" تاريخ ولادته بيد انه يدرك تماما بان التفاصيل الدقيقة كانت في الغرفة المحاذية لزريبة الاغنام في الدرك الاسفل من دار سيده ومولاه.

انها الغرفة ذاتها التي شهدت ميلاد والدته الجارية "سيار" وفيها انجبت على التوالي فهد فيصل شعية وقناف ولكن للاسف الشديد بعد ان بلغ هذا الاخير سن السادسة اضطروا لمغادرتها.

اذ لم يكن بمقدورهم عمل شيء ازاء هذا الامر حين اتفق ورثة محمد صغير جبران على تقاسم تركة والدهم التركة التي اشتملت على ارض زراعية شاسعة وقطيع كبير من الماشية: اغنام ابقار وثيران الى جانب الدواجن وغيرها من الثروات التي خلفها لهم والدهم الذي توفى قبل ميلاد "قناف" لكن التركة لم يتم تقاسمها الا بعد وفاته باعوام.

ماسبق قد ياتي معظمه في اطار ما هو طبيعي الا ان الامر المثير هنا ان تقاسم التركة بين الورثة شمل العبيد والجواري بالقرعة عبر "السهم".. كان يجب على كل واحد من الورثة ان يرتضي بما جاء في سهمه: ذكرا ام انثى صغيرا ام كبير!
كانت الام "سيار" افضل حالا بين اقرانها من العبيد والجواري فقد شاءت الاقدار ان تكون من نصيب احدى الاناث والتي على عكس اقاربها قررت على الفورعتق رقبة "سيار" فيما اقتاد بقية الورثة عبيدهم وجواريهم الى ديارهم معتبرين ان ما قامت به شقيقتهم امرا شاذا ودخيلا على اسلوب حياتهم التي لا يمكنها ان تستقيم الا بوجود العبيد والجواري!

لقد كان "قناف" اكثر تعاسة من رفاقه اذ لم يكن بمقدوره ان يعيش برفقة والدته بعد ان اصبحت حرة بينما ان عقد العبودية كان يلتف باحكام على رقبته النحيلة.

الان بوسعكم تخيل الماساة على هذه الشاكلة: طفل في السادسة من العمر لا يعيش في حضن والدته بل ليس بمقدوره رؤيتها لكونها تقيم في قرية اخرى كما لا يمكنه قضاء ساعات عائلية مع اشقائه بعد ان فرقتهم التركة ومما زاد الماساة انه وكعبد مملوك كان يتوجب عليه الخضوع لاوامر سيده ذلك الذي عرف بافتقاده معنى الرحمة والشفقة!

لغة العبودية
في القرن الواحد والعشرين استوطنت العبودية حياة الطفل الصغير منذ نعومة اظفاره حاله كحال اقرانه من العبيد والجواري الذين توجب عليهم التدريب منذ سن الثانية من العمر على نطق كلمة "سيدي".

يسعى العبيد والجواري في ارضاء اسيادهم ودفع فلذات اكبادهم في تلك السن على حفظ وترديد اللغة المفترضة للعبيد لغة الخضوع والطاعة لمولاه منذ ان يمتلك الطفل القدرة على نطق الاحرف وحفظ الكلمات عليه ان يبدا باحرف الخضوع وكلمات الطاعة حتى دونما ادراك لمعناها!

اللغة التي اتقنها "قناف" وسكنت كافة سلوكيات حياته خلال ربع قرن من الزمن هي ذاتها التي لم تفارقه او بالاحرى لم يستطع تجاوزها حين كان يسرد ماساته لنشرها.

"تفضل يا سيد عمر"..هكذا خاطبني لا شعوريا اثناء تناول طعام العشاء المني الموقف فما كان مني الا ان عاتبته بطريقه حرصت فيها كثيرا ان لا تجرح مشاعره كانسان ثم ضممته الى صدري بلطف وتلقيت منه وعدا بان لا يسمعني اياها!

بين العبودية والاحتقار
"هناك ما هو اشد واقسى من العبودية وهو ان تعيش ذليلا وحقيرا" يعتقد "قناف" ابن "سيار" الجارية السابقة والحرة حاليا.
يختزل قناف فلسفته تلك بكلماته التهامية: "ام ناس متعودين على ام ابوديه هم يابدون ربهن ذي خلقهن وفي ناس مثلنا يزيدوا يابدون اسيادهم من ام بشر وهذي ارادة ربنا لكن ياملونك بذل واستحقار ما يرضي بها ربنا".

من يعرف اللهجة التهامية لا يحتاج الى شرح المعني اما المعني لمن قد يعجز عن الفهم فهو: ان البشر بطبعهم متعودون على العبودية من خلال عبادتهم ربهم جل في علاه غير ان هناك اناس كالعبيد والجواري مبتلين بعبادة اخرى لا تمت للاولى بصلة تلك هي عبادة اسيادهم ابناء جنسهم من البشر ومع ذلك فالمؤلم ان هؤلاء الاسياد يعاملونهم بذل واحتقار لا يرضى عنه الخالق

على ان هذه العبودية يعيشها "قناف" برضا وقناعة تامة غير انه يتالم حين يصل حد تلك العبودية الى استنقاص انسانيته وامتهان كرامته ويتم معاملته والنظر اليه بذل واحتقار.

ولذلك يعتقد "قناف" انه كان اسوا حظا من بين اقرانه العبيد كون "سيده" حمدي جبران هو الاشد قسوة وغلظة من بين كل "اسياد" العبيد والجواري.

ويفرغ الامه من خلال وصفه "سيده" ذاك: الرحمة لا تعرف طريقا الى قلبه كما ان الشفقة واللين لا معنى لها عند ذلك الرجل الذي تلقى منه الصفعة الاولى في حياته حين كان ما يزال طفلا صغيرا وبعد لحظات من انتقال ملكيته اليه لكنها ربما كانت الصفعة التي ساعدت الطفل "قناف" على تقوية جسده يوما تلو اخر.

كان "السيد" بين الفينة والاخرى يغدق في اكرام عبده فيشبعه ضربا بالسوط والنعال حسب تاكيده.
لماذا لم تهرب؟" سالته فاجاب: "لو اهرب من سيدي حمدي يضربني اكثر لكن لوما اجلس في ام ارض يضربني قليل ويبوك له" اي يروح له.

حين ادرك "قناف" اني بدات اشعر بمرارة ما ذاقه من مختلف اصناف الاذى والعقاب من سيده شعر بالاحراج ففضل التوقف عن سرد المزيد من تلك الالام التي كان الشارع مسرحا لمثلها بعض الاحيان حسب تاكيده وقال ان اخر صفعة تلقاها خده كانت قبل اسبوع واحد فقط من نيل حريته.

من هم العرب؟
لم يتسن لقناف الالتحاق بالمدرسة وتلقي العلم فذلك كان حكرا على ما يسميه السكان ب"ابناء العرب" ويقصد بهم "الاحرار" فالعرب في نظر سكان شمال غرب اليمن هم السكان المحليون وسلالتهم من الذين لم تسلب حرياتهم او وقعوا ذات زمن في شراك العبودية.

وكغيره من العبيد ظل "قناف" راعيا للاغنام وجالبا للمياه من الابار وغيرها من المهام الشاقة التي تناط به وبامثاله طوال ساعات اليوم.
باكرا منذ الساعات الاولى لبزوغ النهار كان يتوجب على "قناف" ان يصحو باكرا لممارسة مهامه التي لا تنتهي الا عندما ينتصف الليل عندها فقط كان يخلد للنوم في فناء المنزل "احنا ننام في ام حوش. في حر او في برد..كله سوى" يقول قناف.

ومع ان "قناف" اعتاد على تلك الحياة ك"عبد" منذ طفولته الا انه لم يكن بمقدوره ك"انسان" مواصلة القبول بقسوتها ذلك بعد ان غدت تعاملات سيده الدنيئة تشعره يوما بعد اخر بلا انسانيته تمتهنه وتشعره بالذل والاحتقار كانت المعاناة والالم يبلغان ذروتهما حين كان سيده يرفض السماح له بزيارة والدته!
اضغط على هذا الشريط هنا لعرض الصورة بكامل حجمها
لكن ولما كانت ما تسمى بالحياة منعدمة تماما بالنسبة له وحيث انه لن يضره لو زادت قسوتها قسوة بجلدات اخرى تطال ظهره من سوط سيده وعندما اشتد ذات يوم حنينه الى امه قرر كسر حاجز الخوف ترك الاغنام في المرعى وذهب الى زيارتها خلسة بعدها كان "قناف" كلما اشتد به الحنين الى امه بين الحين والاخر يترك الاغنام ويتجه خلسة للقائها في بيت زوجها الذي اقترنت به عقب نيلها حريتها.

يقول "قناف" انه عندما كان يزور والدته كانت امه تسير امامه تترقب الطريق يملؤها الخوف من ردة فعل سيده "حمدي": ماذا لو علم بفعل نجلها الذي كان يترك الاغنام في المرعى من اجل رؤيتها وحسب تاكيده كانت امه تمنحه مائة ريال تعبيرا عن امتنانها لما يقوم به من اجلها.

العبد يقرر التخلص من عبوديته
استمرت الحياة على موالها القاسي لا تمنح "قناف" سوى ظهرها ومع بلوغه مرحلة من الادراك انقطع معه امله الوحيد الذي عاش يحلم به وهو: ان تطرق الرحمة يوما قلب سيده فاما يعتقه وذلك حلمه الاكبر واما يخفف من قسوة معاملته معه وذلك اضعف الايمان لكن وعلى مر الاعوام لم يحدث من ذلك شيء بل حتى لم تبد اي مؤشرات تعزز امله في تحقق اي من تلك الاحلام.

وذات يوم مشرق شعر "قناف" انه لم يعد قادرا على المواصلة اكثر فقرر الهروب من دار سيده!
فكر في حيلة ذكية لتنفيذ خطته باحكام اقنع سيده حمدي بان بمقدوره الذهاب بمفرده الى السوق لشراء احتياجات المنزل انها رغبة حمدي بان يزيح عن كاهله هم السوق الاسبوعي الذي يتدافع اليه القرويون من كل مكان وافق الرجل واعطاه 4000 الف ريال ليشتري متطلبات افراد العائلة.

وصل "قناف" سوق "خميس الهيج" الذي يفصل محافظة حجة عن محافظة الحديدة ولانه يقع على الخط الدولي قرر الاستدارة شمالا باتجاه المملكة العربية السعودية الجارة الغنية بالنفط.
لم يكن "قناف" يعرف المملكة لكنه كغيره من ابناء المحافظة المحاددة لها يسمع عنها الكثير عن اناس ذهبوا اليها بحقيبة واحدة فعادوا محملين العديد منها.

بعد ساعات من المشي على قديمه استوقفه شخص وساله: الى اين ستذهب اجاب ببساطة وتلقائية: "اشتي السعودية".. لم يكن قناف على علم بان الرجل الغريب الذي يتجاذب اطراف الحديث معه ليس سوى ضابط الترحيل السعودي..!
ومع ذلك يبدو ان حياة القسوة التي قرر الفرار منها وتركها وراء ظهره قد بدات فعلا بالتعاضد معه ومؤازرته بالسير في الاتجاه الذي اراده كان حديثه الصادق مع الضابط هو من دفع الاخير على مساعدته ونقله على متن سيارة شرطة الجوازات والى قرية صغيرة في منطقة نجران اوصله ثم اعطاه 50 ريال سعودي وقال له: اذهب للعمل في تلك القرية.

لم يكن قناف يدرك قيمة تلك الورقة فقام بربطها في احد الخيوط المتدلية من معوزه زي شعبي يرتديه اليمنيون على النصف السفلي من اجسادهم بدلا من البنطال مواصلا سيره باتجاه القرية.

عقب وصوله تلقفته امراة سعودية طاعنة في السن طالبة منه العمل لديها في رعي الاغنام نظير 500 ريال سعودي شهريا وبعد عامين من العمل لديها شعر فيها بحياة اخرى مختلفة كثيرا عرف فيها معنى ان تعمل مقابل جني المال وكيفية المحافظة عليه. شعر انه انسان فقرر العودة الى بلده للزواج.

شباك العبودية من جديد
بعد وصوله الى منطقته تقدم لخطبة شقيقة عبده مكي العشي وقام بدفع التكاليف المالية لصهره.
لكن وقبل يوم واحد من زفافه تفاجا بقدوم سيده ومولاه حميد جبران اصر السيد على ان يعود عبده برفقته والامتثال لطاعته لكن العبد الذي عرف معنى الحياة رفض بقوة العودة الى ماضيه المؤلم نعم رفض حتى مع تهديد "حمدي" له بانه سيسعى الى تطليق زوجته منه في الشريعة الاسلامية يجوز للسيد ان يطلق زوجة العبد وتعتبر طلقة شرعية).

لكن حياة الحرية التي تزوج بها "قناف" مؤخرا جعلته يفضل الهرب مع زوجته ليلة عرسهما خوفا من اجباره على العودة الى حياة العبودية وجبروت سيده "حمدي".

بعد زواجته باسابيع نال قناف حريته بعد ان اعتقه الشيخ ورجل الاعمال في المحافظة عبدالرحمن احمد سهيل وهو نجل الشخيصة المعروفة الشيخ احمد سهيل شقيق عضو مجلس النواب يحيى سهيل ككفارة لتسببه في مقتل احد المارة بسيارته.
بعد فترة وجيزة قرر ان يتزوج من فتاته التي حلم بها جارية لكن رفض سيدها بدا انه سياتي على تدمير حلمه.

غير ان الرجل الذي نال حريته بصعوبة وهو الان يريد ان يشعر بانسانيته من خلال تحقيق حلمه بالزواج ممن يحبها لم يستسلم ابدا فقرر الفرار مع حبيبته خلسة من سيدها فجاء بها الى منزله الجديد بمديرية الزهرة محافظة الحديدة حيث تسكن زوجته الاولى.

زوجته الجديدة التي لم تنل بعد حريتها من سيدها دفعت قناف اواخر العام الماضي للانتقال الى مدينة حجة وذلك لقطع بطاقة شخصية لكليهما.
وعند وصولهما الى مصلحة الاحوال الشخصية وعرضهما لعقد زواجهما قام الضابط بايداعهما في السجن بتهمة ان بشرة قناف سوداء وبشرة زوجته بيضاء وان ذلك دليل على عدم صحة عقد الزواج وبالتالي فان زواجهما باطل في نظر ادارة امن محافظة حجة.

لقد استعصى على هؤلاء القبول بزواج رجل اسود من امراة بيضاء وضع قناف في زنزانة انفراديه بينما وضعت زوجته في اخرى حتى منتصف الليل حين وصل احد مدراء المكاتب الحكومية بالمحافظة مصادفة واستمع الى اقوال "قناف" حين كان يدلي باقواله لاحد الضباط في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا مع ان اعتقالهما كان في التاسعة صباحا.

حينها اكد المسوؤل الحكومي بانه يعرف "قناف" وقد سبق وان التقى به في منزل سيده "حمدي" وان تلك الفتاة هي زوجته الشرعية فتم على اثر ذلك الافراج عنهما لكنهما لم يتمكنا حتى اللحظة من الحصول على بطاقة شخصية رغم تردد قناف عدة مرات على الجهات المعنية بذلك.